الباحث القرآني

وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِی كُنتَ عَلَیۡهَاۤ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن یَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن یَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِیرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُضِیعَ إِیمَـٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ
﴿وكذلك﴾ أي: وكما هديناكم صراطاً مستقيماً ﴿جعلناكم أمة وسطاً﴾ عدولاً خياراً ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ لتشهدوا على الأمم بتبليغ الأنبياء ﴿ويكون الرسول عليكم﴾ على صدقكم ﴿شهيداً﴾ وذلك أنَّ الله تعالى يسأل الأمم يوم القيامة فيقول: هل بلَّغكم الرُّسل الرِّسالة؟ فيقولون: ما بلَّغنا أحدٌ عنك شيئاً فيسأل الرُّسل فيقولون: بلَّغناهم رسالتك فعصوا فيقول: هل لكم شهيدٌ؟ فيقولون: نعم أمة محمد ﷺ فيشهدون لهم بالتِّبليغ وتكذيب قومهم إيَّاهم فتقول الأمم: يارب بمَ عرفوا ذلك وكانوا بعدنا؟ فيقولون: أخبرنا بذلك نبيُّنا في كتابه ثمَّ يزكيهم محمد ﷺ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أَي: التي أنتَ عليها اليوم وهي الكعبةُ قِبلةً ﴿إلاَّ لنعلم﴾ لنرى وقيل: معناه: لنميّز ﴿مَنْ يتبع الرسول﴾ في تصديقه بنسخ القِبلة ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ يرتدُّ ويرجع إلى الكفر وذلك أنَّ الله تعالى جعل نسخ القبلة عن الصَّخرة إلى الكعبة ابتلاءً لعباده المؤمنين فمَنْ عصمه صدَّق الرَّسول في ذلك ومَنْ لم يعصمه شكَّ في دينه وتردَّد عليه أمره وظنَّ أنَّ محمداً ﷺ في حيرةٍ من أمره فارتدَّ عن الإِسلام وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أَيْ: وقد كانت التَّولية إلى الكعبة لثقيلةً إِلا ﴿عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله﴾ عصمهم الله بالهداية فلمَّا حوِّلت القبلة قالت اليهود: فكيف بمَنْ مات منكم وهو يصلِّي على القبلة الأولى؟ لقد مات على الضَّلالة فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانكم﴾ أَيْ: صلاتكم التي صليتم وتصديقكم بالقِبلة الأولى ﴿إنَّ الله بالناس﴾ يعني: بالمؤمنين ﴿لرؤوف رحيم﴾ والرَّأفة أشدُّ الرَّحمة