الباحث القرآني

إِنَّ ٱلَّذِینَ یَغُضُّونَ أَصۡوَ ٰ⁠تَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَأَجۡرٌ عَظِیمٌ
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [[أخرجه الطبري: ٢٦ / ١١٨، وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب. وأخرجه ابن سعد بإسناد صحيح، انظر: فتح الباري: ٦ / ٦٢٠-٦٢١.]] . قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَنْظُرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْشِي بَيْنَ أَيْدِينَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ فِي حَرْبِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، رَأَى ثَابِتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ الِانْكِسَارِ وَانْهَزَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أُفٍّ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَالَ ثَابِتٌ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا كُنَّا نُقَاتِلُ [[ساقط من "أ".]] أَعْدَاءَ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ هَذَا، ثُمَّ ثَبَتَا وَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا وَاسْتُشْهِدَ ثَابِتٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، فَرَآهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ فُلَانًا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَزَعَ دِرْعِي فَذَهَبَ بِهَا وَهِيَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمُعَسْكَرِ عِنْدَ فَرَسٍ يَسِيرٍ فِي طِوَلِهِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَى درعي بُرْمَة، فأت خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَأَخْبِرْهُ حَتَّى يسترد درعي، وأت أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا حَتَّى يُقْضَى، وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، فَأَخْبَرَ الرَّجُلُ خَالِدًا فَوَجَدَ دِرْعَهُ وَالْفَرَسَ عَلَى مَا وَصَفَهُ لَهُ، فَاسْتَرَدَّ الدِّرْعَ، وَأَخْبَرَ خَالِدٌ أَبَا بَكْرٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَا فَأَجَازَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ [[أخرجه الإمام أحمد: ٣ / ١٣٧، وعبد بن حميد: ص٣٦٣-٣٦٤، وابن سعد والطبراني والحاكم، من رواية حماد بن أبي سلمة عن ثابت، وأخرج الحاكم قصة الدرع والوصية مطولة من وجه آخر عن ثابت بن قيس. انظر: فتح الباري: ٦ / ٥٢ وذكره ابن حجر في المطالب العالية: ٤ / ١٢٠ ونسبه لأبي يعلى، وقال البوصيري: وأصله في صحيح البخاري وسنن الترمذي من حديث أنس. وانظر: ابن كثير: ٤ / ٢٠٧، وتفسير عبد الرزاق: ٢ / ٢٣٠.]] . قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَا أَعْلَمَ وَصِيَّةً أُجِيزَتْ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهَا إِلَّا هَذِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ [[أخرجه الحاكم: ٢ / ٤٦٢ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٥٤٨ لعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان. وانظر: فتح الباري: ٨ / ٥٩١، مجمع الزوائد: ٧ / ١٠٨.]] وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا حَدَّثَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَسْمَعُ النَّبِيُّ ﷺ كَلَامَهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ مِمَّا يَخْفِضُ صَوْتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [[أخرجه البخاري في التفسير، باب (لا ترفعوا أصواتكم ... ) ٨ / ٥٩٠.]] ، يَخْفِضُونَ ﴿أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إِجْلَالًا لَهُ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ، قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ اخْتَبَرَهَا وَأَخْلَصَهَا كَمَا يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ فَيَخْرُجُ خَالِصُهُ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾