الباحث القرآني

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُون﴾ ١٥٦/أقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالتَّاءِ، لِتَأْنِيثِ النَّجْوَى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لِأَجَلِ الْحَائِلِ [[أي الفاصل بين الفعل والفاعل فلذلك لم يؤنث الفعل.]] ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أَيْ مِنْ سِرَارِ ثَلَاثَةٍ، يَعْنِي مِنَ الْمُسَارَّةِ، أَيْ: مَا مِنْ شَيْءٍ يُنَاجِي بِهِ الرَّجُلُ صَاحِبَيْهِ ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ بِالْعِلْمِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا يَكُونُ مِنْ مُتَنَاجِينَ ثَلَاثَةٍ يُسَارُّ، بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ بِالْعِلْمِ، يَعْلَمُ نَجْوَاهُمْ ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ: "أَكْثَرُ" بِالرَّفْعِ عَلَى مَحَلِّ الْكَلَامِ قَبْلَ دُخُولِ "مِنْ" ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْظُرُونَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَتَغَامَزُونَ بِأَعْيُنِهِمْ، يُوهِمُونَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا يَسُوءُهُمْ، فَيَحْزَنُونَ لِذَلِكَ وَيَقُولُونَ مَا نَرَاهُمْ إِلَّا وَقَدْ بَلَغَهُمْ عَنْ إِخْوَانِنَا الَّذِينَ خَرَجُوا فِي السَّرَايَا قَتْلٌ أَوْ مَوْتٌ أَوْ هَزِيمَةٌ، فَيَقَعُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ وَيُحْزِنُهُمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَكَثُرَ شَكُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَنَاجَوْا دُونَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ وَعَادُوا إِلَى مُنَاجَاتِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ [[انظر: الطبري: ٢٨ / ١٣، ابن كثير: ٤ / ٣٢٤، الدر المنثور: ٨ / ٨٠ والواحدي في أسباب النزول: ص (٤٧٤) .]] "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى" أَيِ الْمُنَاجَاةِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أَيْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْمُنَاجَاةِ الَّتِي نُهُوا عَنْهَا ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ قَرَأَ الْأَعْمَشُ وحمزة: و"وينتنجون" عَلَى وَزْنِ يَفْتَعِلُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "يَتَنَاجَوْنَ" لِقَوْلِهِ: "إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ" وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنِ النَّجْوَى فَعَصَوْهُ ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ السَّامُ عَلَيْكَ. " وَالسَّامُ ": الْمَوْتُ، وَهُمْ يُوهِمُونَهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: عَلَيْكُمْ، فَإِذَا خَرَجُوا قَالُوا: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ يُرِيدُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا حَقًّا لَعَذَّبَنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ: وَعَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ" [[أخرجه البخاري في الدعوات، باب قول النبي ﷺ: يستجاب لنا في اليهود، ولا يستجاب لهم فينا: ١١ / ١٩٩ - ٢٠٠، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٧٠ - ٢٧١.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.