الباحث القرآني

مِّنَ ٱللَّهِ ذِی ٱلۡمَعَارِجِ
﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ ذِي السَّمَاوَاتِ، سَمَّاهَا مَعَارِجَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ فِيهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذِي الدَّرَجَاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذِي الْفَوَاضِلِ وَالنِّعَمِ [وَمَعَارِجُ: الْمَلَائِكَةُ] [[ما بين القوسين زيادة من "ب".]] . ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ "يَعْرُجُ" بِالْيَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "تَعْرُجُ" بِالتَّاءِ ﴿وَالرُّوحُ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿إِلَيْهِ﴾ أَيْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا لَوْ صَعِدَ غَيْرُ الْمَلَكِ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَصْعَدُ مُنْتَهَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَسْفَلِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. رَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ مِقْدَارَ هَذَا خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ [[أخرجه الطبري: ٢٩ / ٧١.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَوْ سَارَ بَنُو آدَمَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى مَوْضِعِ الْعَرْشِ لَسَارُوا خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَأَرَادَ أَنَّ مَوْقِفَهُمْ لِلْحِسَابِ حَتَّى يُفْصَلُ بَيْنَ النَّاسِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا، لَيْسَ يَعْنِي بِهِ مِقْدَارَ طُولِهِ هَذَا دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ أَوَّلٌ وَلَيْسَ لَهُ آخِرٌ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مَمْدُودٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُ آخِرٌ لَكَانَ مُنْقَطِعًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [[أخرجه الطبري: ٢٩ / ٧١. وعزاه ابن كثير في التفسير: ٤ / ٤٢٠ لابن أبي حاتم. وساق أربعة أقوال في معنى (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فلتنظر. وعزاه صاحب الدر المنثور: ٨ / ٢٧٩ لابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور.]] . أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُدَيٍّ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ: فَمَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا" [[أخرجه الطبري: ٢٩ / ٧٢، والإمام أحمد: ٣ / ٧٥، وابن حبان في موارد الظمآن ص: (٦٣٨) والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ١٢٩. وذكره ابن كثير في التفسير: ٤ / ٤٢٠ وقال: إن دراجا وشيخه ضعيفان.]] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ وَلِيَ مُحَاسَبَةَ الْعِبَادِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ غَيْرُ اللَّهِ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٍ. قَالَ عَطَاءٌ: وَيَفْرُغُ اللَّهُ مِنْهُ فِي مِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيْامِ الدُّنْيَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: يَقُولُ لَوْ وَلَّيْتُ حِسَابَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَطَوَّقْتُهُمْ مُحَاسَبَتَهُمْ لَمْ يَفْرُغُوا مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَنَا أَفْرُغُ مِنْهَا فِي سَاعَةٍ [وَاحِدَةٍ] [[ساقط من "ب".]] مِنَ النَّهَارِ. وَقَالَ يَمَانٌ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فِيهِ خَمْسُونَ مَوْطِنًا، كُلُّ مَوْطِنٍ أَلْفُ سَنَةٍ. وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ.