الباحث القرآني

أَیَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ نَزَلَتْ فِي عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، خِتْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي جَارِيَ السُّوءَ، يَعْنِي: عَدِيًّا وَالْأَخْنَسَ. وَذَلِكَ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنِ الْقِيَامَةِ مَتَى تَكُونُ وَكَيْفَ أَمْرُهَا وَحَالُهَا؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ عَايَنْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ وَلَمْ أؤمن [بك] [[في "أ" به.]] أو يجمع اللَّهُ الْعِظَامَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ" [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص: (٥١٥) . قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (١٨٠) : "ذكره الثعلبي والبغوي والواحدي بغير إسناد".]] يعني الكافر ﴿أَن لن نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَالْبِلَى فَنُحْيِيهِ. قِيلَ: ذَكَرَ الْعِظَامَ وَأَرَادَ نَفْسَهُ لِأَنَّ الْعِظَامَ قَالِبُ النَّفْسِ لَا يَسْتَوِي الْخَلْقُ إِلَّا بِاسْتِوَائِهَا. وَقِيلَ: هُوَ خَارِجٌ عَلَى قَوْلِ الْمُنْكِرِ أو يجمع اللَّهُ الْعِظَامَ كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ أَيْ نَقْدِرُ، اسْتِقْبَالٌ صُرِفَ إِلَى الْحَالِ، قَالَ الْفَرَّاءُ "قَادِرِينَ" نُصِبَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ نَجْمَعَ، كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ أَتَحْسَبُ أَنْ لَا نَقْوَى عَلَيْكَ؟ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَقْوَى مِنْكَ، يُرِيدُ: بَلْ قَادِرِينَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَا [[انظر: معاني القرآن للفراء: ٣ / ٢٠٨.]] مَجَازُ الْآيَةِ: بَلَى نَقْدِرُ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ وَعَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ﴿عَلَى [[لم ترد في النسختين وهي من الآية.]] أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أنامله، فنجعل ١٨٠/أأَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا كَخُفِّ الْبَعِيرِ وَحَافِرِ الْحِمَارِ، فَلَا يَرْتَفِقُ بِهَا [بِالْقَبْضِ] [[في "ب" في القبض.]] وَالْبَسْطِ وَالْأَعْمَالِ اللَّطِيفَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ: ظَنَّ الْكَافِرُ أَنَا لَا نَقْدِرُ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ، بَلَى نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُعِيدَ السُّلَامَيَاتِ عَلَى صِغَرِهَا، فَنُؤَلِّفُ بَيْنَهَا حَتَّى نُسَوِّيَ الْبَنَانَ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى جَمْعِ صِغَارِ الْعِظَامِ فَهُوَ عَلَى جَمْعِ كِبَارِهَا أَقْدَرُ [[انظر: القرطين: ٢ / ١٩٣.]]