الباحث القرآني

ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلَا يَحْيَا﴾ حَيَاةً تَنْفَعُهُ. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ، وَرِوَايَةُ الْوَالِبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[انظر: الطبري: ٣٠ / ١٥٦، الدر المنثور: ٨ / ٤٨٤.]] وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ زَاكِيًا [[أخرجه الطبري: ٣٠ / ١٥٦.]] . وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى" قَالَ: أَعْطَى صَدَقَةَ الْفِطْرِ [[انظر: الدر المنثور: ٨ / ٤٨٥.]] . ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قَالَ خَرَجَ إِلَى الْعِيدِ فَصَلَّى، فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا تَصَدَّقَ ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ [[ذكره صاحب الدر المنثور: ٨ / ٤٨٦ عن أبي الأحوص، وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير.]] . وَرَوَى نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ -يَعْنِي مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ -قَالَ: يَا نَافِعُ أَخْرَجْتَ الصَّدَقَةَ؟ فَإِنْ قُلْتُ: نَعَمْ، مَضَى إِلَى الْمُصَلَّى، وَإِنْ قُلْتُ: لَا قَالَ: فَالْآنَ فَأَخْرِجْ، فَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ وَابْنِ سِيرِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَدْرِي مَا وَجْهُ هَذَا التَّأْوِيلِ؟ لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ عِيدٌ وَلَا زَكَاةُ فِطْرٍ [[قال صاحب زاد المسير: ٩ / ٩٢ "القول قول ابن عباس في الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد.]] . [قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السَّنَةِ رحمه الله] [[في "أ" (قال الشيخ الإمام الأجل السيد محيي السنة، ناصر الحديث، قدوة الأئمة، مظهر الإسلام، مفتي الشرق، الحسين بن مسعود رحمة الله عليه) .]] ١٩٠/ب يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ سَابِقًا عَلَى الْحُكْمِ كَمَا قَالَ: "وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ" فَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَظَهَرَ أَثَرُ الْحِلِّ يَوْمَ الْفَتْحِ حَتَّى قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" [[قطعة من حديث "أخرجه مسلم في الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها برقم (١٣٥٤) ٢ / ٩٨٨، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٣٠٠-٣٠١.]] وَكَذَلِكَ نَزَلَ بِمَكَّةَ: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" [القمر: ٤٥] قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنْتُ لَا أَدْرِي أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَثِبُ، فِي الدِّرْعِ وَيَقُولُ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [[سبق في سورة القمر: ٧ / ٤٣٤.]] "وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" أَيْ: وَذَكَرَ رَبَّهُ فَصَلَّى، قِيلَ: الذِّكْرُ: تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ، وَالصَّلَاةُ: صَلَاةُ الْعِيدِ، وَقِيلَ: الصَّلَاةُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ.