الباحث القرآني

وَٱلضُّحَىٰ
سُورَةُ الضُّحَى مَكِّيَّةٌ [[أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (الضحى) بمكة. انظر: الدر المنثور: ٨ / ٥٣٩.]] ﷽ * * * أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الضحى - باب (ما ودعك ربك وما قلى) : ٨ / ٧١٠ وفي مواضع أخرى، ومسلم في الجهاد والسير، باب، ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين برقم: (١٩٩٧) : ٣ / ١٤٢٢.]] . وَقِيلَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَالَتْ ذَلِكَ أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ سَأَلَتِ الْيَهُودُ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَعَنِ الرُّوحِ؟ فَقَالَ: سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا، وَلَمْ يَقِلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاحْتَبَسَ عَنْهُ الْوَحْيُ [[ذكر هذه الروايات التي ساقها المصنف: الطبري في التفسير: ١٥ / ٢٠٠-٢٠٥، والسيوطي في الدر المنثور: ٥ / ٣٦٣-٣٧٠، ٣٧٣، والقرطبي: ١٠ / ٣٥٨-٣٦٠، والخازن: ٤ / ١٦٠-١٦٥. وهذه الروايات بهذا التفصيل فيما يتعلق بخروج الفتية وأسمائهم واسم كلبهم.. إلخ بجملتها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين وحكوه عنهم لغرابته والعجب منه. ونضع هنا كلمات لبعض العلماء المحققين والمفسرين حيال هذه الروايات تغنينا عن التعليق على التفسير في مواضع كثيرة: قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (٣ / ٧٦-٧٩) : " ... ولم يخبرنا الله تعالى بمكان هذا الكهف، ولا في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه، ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا.. والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه.. فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه". وبعد أن عرض لبعض الأقوال عن كلب أصحاب الكهف ولونه قال: "واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب". وقال عن أسماء الفتية: " ... وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: "فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرًا" أي: سهلًا هينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة". وقال في البداية والنهاية: (٢ / ١١٥) : ".. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرًا طويلًا، أكثره متلقى من الإسرائيليات، وكثير منها كذب، ومما لا فائدة فيه، كاختلافهم في اسمه ولونه". وقال الأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن": (١٥ / ٢٢٦٠-٢٢٦١) : "تجيء قصة أصحاب الكهف، فتعرض نموذجًا للإيمان في النفوس المؤمنة، كيف تطمئن به، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها، وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس، وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة ويقيها الفتنة، ويشملها بالرحمة. وفي القصة روايات شتى وأقاويل كثيرة، فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى. ونحن نقف فيها عند ما جاء في القرآن، فهو المصدر الوحيد المستيقن، ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح، وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها، وعن المراء فيها والجدل رجمًا بالغيب". وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان": (٤ / ٢٠) : "واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسمائهم، وفي أي محل من الأرض كانوا، كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها". وراجع: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص (٢٣٥-٢٣٧) .]] . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ سَبَبُ احْتِبَاسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ كَوْنُ جَرْوٍ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَاتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِبْطَائِهِ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ [أَوْ] [[في "ب" ولا.]] صُورَةٌ [[انظر أحاديث في ذلك: مسند الإمام أحمد: ١ / ١٤٨، الترغيب والترهيب: ٤ / ٦٨ - ٦٩.]] . وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ احْتِبَاسِ الْوَحْيِ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا. قَالُوا: فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَدَعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا جِبْرِيلُ مَا جِئْتَ حَتَّى اشْتَقْتُ إِلَيْكَ"، فَقَالَ جِبْرِيلُ: "إِنِّي كُنْتُ أَشَدُّ شوقًا [إليك] [[ساقط من "ب".]] ، وكلني عَبْدٌ مَأْمُورٌ"، فَأَنْزَلَ: "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ" [[أخرجه الطبري: ٣٠ / ٢٣١، وعبد الرزاق في التفسير: ٢ / ٣٧٩ عن معمر. وزاد السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٥٤١ عزوه لابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس. وانظر: الفتح السماوي: ٣ / ١١٠١.]] [مريم: ٦٤] . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى﴾ أَقْسَمَ بِالضُّحَى وَأَرَادَ بِهِ النَّهَارَ كُلَّهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِاللَّيْلِ [فَقَالَ وَاللَّيْلِ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] إِذَا سَجَى، نظيره: قوله: "أو أمن أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى" [الأعراف: ٩٨] أَيْ نَهَارًا. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي وَقْتَ الضُّحَى، وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي فِيهَا ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ، وَاعْتِدَالُ النَّهَارِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْحَسَنُ: أَقْبَلَ بِظَلَامِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْوَالِبِيُّ عَنْهُ: إِذَا ذَهَبَ، قَالَ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ: غَطَّى كُلَّ شَيْءٍ بِالظُّلْمَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتَوَى. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَكَنَ وَاسْتَقَرَّ ظَلَامُهُ فَلَا يَزْدَادُ بَعْدَ ذَلِكَ. يُقَالُ: لَيْلٌ سَاجٍ وَبَحْرٌ سَاجٍ [إِذَا كَانَ سَاكِنًا] [[في "ب" إذا سكن.]] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ، أَيْ مَا تَرَكَكَ مُنْذُ اخْتَارَكَ وَلَا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبَّكَ.