الباحث القرآني

سُورَةُ الْقَدْرِ مَكِّيَّةٌ [[أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إنا أنزلناه في ليلة القدر) بمكة. انظر: الدر المنثور: ٨ / ٥٦٧.]] ﷽ * * * ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أَنْزَلَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ، ثُمَّ كَانَ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً [[انظر: ابن كثير: ٤ / ٥٣٠.]] . ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامُ، يُقَدِّرُ اللَّهُ فِيهَا أَمْرَ السَّنَةِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ إِلَى السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وَهُوَ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَدَرَ اللَّهُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ، قَدْرًا وَقَدرًا، كالنَّهَر ١٩٧/أوَالنَّهْرِ وَالشَّعْرِ وَالشَّعَرِ، وَقَدَّرَهُ -بِالتَّشْدِيدِ -تَقْدِيرًا [وَقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ قَدْرًا] [[ما بين القوسين زيادة من "أ".]] بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ: أَلَيْسَ قَدْ قَدَرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ: [بَلَى] [[في "ب" نعم".]] ، قِيلَ: فَمَا مَعْنَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ قَالَ: سَوْقُ الْمَقَادِيرِ إِلَى الْمَوَاقِيتِ، وَتَنْفِيذُ الْقَضَاءِ الْمُقَدَّرِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ": أَيْ لَيْلَةُ الْعَظَمَةِ وَالشَّرَفِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ: لِفُلَانٍ عِنْدَ الْأَمِيرِ قَدْرٌ، أَيْ جَاهٌ وَمَنْزِلَةٌ، وَيُقَالُ: قَدَرْتُ، فُلَانًا أَيْ عَظَّمْتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] [الزمر: ٦٧] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَكُونُ فِيهَا ذَا قَدْرٍ عِنْدَ اللَّهِ لِكَوْنِهِ مَقْبُولًا. وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهَا؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رُفِعَتْ، وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُكَانِسٍ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَدْ رُفِعَتْ؟ قَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، قُلْتُ: هِيَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَسْتَقْبِلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ [[عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٥٧٠ لعبد بن حميد.]] . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيْلَةٌ مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ حَتَّى لَوْ عَلَّقَ رَجُلٌ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ وَعِتْقَ عَبْدِهِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، لَا يَقَعُ مَا لَمْ تَمْضِ سَنَةٌ مِنْ حِينِ حَلَفَ. يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ [[انظر: الدر المنثور: ٨ / ٥٧٦.]] . وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ قَالَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ: هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَتْ صَبِيحَتُهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ. وَالصَّحِيحُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" [[أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر: ٣ / ٥٠٤، والبخاري في فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: ٤ / ٢٥٩، وأخرج مسلم الجملة الأخيرة (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها، برقم: (١١٦٩) : ٤ / ٨٢٨، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨١.]] . أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ [مَا] [[ساقط من "أ".]] لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا [[أخرجه الترمذي في الصوم: ٣ / ٥٠٩ وقال: "هذا حديث غريب حسن صحيح". ومسلم في الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان برقم: (١١٧٤) : ٢ / ٨٣٢، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٩٠.]] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ [الْأَوَاخِرُ] [[ساقط من "أ".]] مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ [[أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر، باب العمل في العشرة الأواخر من رمضان ٤ / ٢٦٩، ومسلم في الاعتكاف باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان برقم: (١١٧٤) : ٢ / ٨٣٢، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨٩.]] . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا فِي أَيِّ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ؟ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلِ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوَتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" [[أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: ٤ / ٢٥٩، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨١ - ٣٨٢.]] . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْوَازِنُ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [هَاشِمِ] [[في "أ" هشام والصحيح ما أثبتناه كما في التهذيب.]] بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: ذَكَرْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ أَبِي بَكْرَةَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِطَالِبِهَا بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ تِسْعٍ بَقَيْنَ أَوْ سَبْعٍ بَقَيْنَ أَوْ خَمْسٍ بَقَيْنَ أَوْ ثَلَاثٍ بَقَيْنَ أَوْ آخِرَ لَيْلَةٍ" [[أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر: ٣ / ٥٠٧ - ٥٠٨ وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن حبان صفحة: (٢٣١) من موارد الظمآن، وابن خزيمة: ٣ / ٣٢٤، وصححه الحاكم: ١ / ٤٣٨ ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان: ٧ / ٢٨٠، والإمام أحمد: ٥ / ٣٦، والطيالسي في المسند صفحة: (١١٨) برقم: (٨٨١) ، وابن أبي شيبة: ٣ / ٧٦. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة برقم: (٢٠٩٢) وصحيح الجامع برقم: (١٢٤٣) . وانظر: الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر بالتفصيل في: "إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام" لابن حجر الهيثمي صفحة (١٦٦) وما بعدها.]] ، فَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ يُصَلِّي كَمَا يُصَلِّي فِي سَائِرِ السَّنَةِ، فَإِذَا دَخَلَ الْعُشْرُ [الْأَخِيرُ] [[في "ب" الأواخر".]] اجْتَهَدَ. وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "خَرَجْتُ، لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ" [[أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس: ٤ / ٢٦٧ والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨٠.]] . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [أُرُوا] [[في "ب" رأوا.]] لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" [[أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر، ١ / ٣٢٠، والبخاري في فضل ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر ٤ / ٢٥٦، ومسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها برقم: (١١٦٥) : ٢ / ٨٢٢ - ٨٢٣، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨١.]] . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهَا لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ صُبْحَهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: مَنْ [كَانَ سَيَعْتَكِفُ] [[في "ب" من اعتكف.]] مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ [[أخرجه الإمام مالك في الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر: ١/٣١٩، والبخاري في الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر: ٤ / ٢٧١، ومسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها برقم: (١١٦٧) : ٢ / ٨٢٥ والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨٣ - ٣٨٤.]] . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرَ، الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أَكُونُ بِبَادِيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْوَطْأَةُ وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ أُصَلِّي بِهِمْ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ أَنْزِلُهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَأُصَلِّيهَا فِيهِ، فَقَالَ: "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلِّهَا فِيهِ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَسْتَتِمَّ آخِرَ الشهر فافعل، ١٩٧/ب وَإِنْ أَحْبَبْتَ فَكُفَّ" [[أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في ليلة القدر: ٢ / ١١٠، والبيهقي في السنن ٤ / ٣١٠، وفي شعب الإيمان: ٧ / ٢٧٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣ / ٨٨، وعبد الرزاق في المصنف: ٤ / ٢٥١. ورواه مالك منقطعا: ١ / ٣٢٠ ووصله مسلم وغيره كما تقدم. قال المنذري: "وفي سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، وقد أخرج مسلم في صحيحه في "كتاب الصيام برقم: (١١٦٨) من حديث بسر بن سعيد، عن عبد الله بن أنيس: أن رسول الله ﷺ قال: أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه" وأما ابن إسحاق فإن تدليسه لا يضر، فهو ليس من القادح في العدالة، وقد أطال العلامة اللكنوي في الرد على جرحه، وانتهى إلى توثيقه في كتابه: "إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام" صفحة: (٢٨٠ ٠ ٢٩٠) وبالجملة فهو حسن اختلف فيه، وهو حسن الحديث كما قال المنذري. وانظر: مجمع الزوائد: ٣ / ١٧٨.]] . قَالَ: فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ كَانَتْ دَابَّتُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ. وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمْ مَضَى مِنَ الشَّهْرِ؟ فَقُلْنَا: ثِنْتَانِ [وَعِشْرُونَ] [[ساقط من "أ".]] وَبَقِيَ سَبْعٌ، [فَقَالَ: "مَضَى اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ وَبَقِيَ سَبْعٌ] [[ساقط من "أ".]] اُطْلُبُوهَا اللَّيْلَةَ، الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ" [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٣ / ٨٤ ومن طريقه أخرجه ابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في "الشهر تسع وعشرون" برقم: (١٦٥٦) : ١ / ٥٣٠ وقال البوصيري في الزوائد: "إسناد صحيح على شرط مسلم"، وزاد الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند على أنه شرط البخاري. وصححه ابن حبان صفحة: (٢٣٠) من موارد الظمآن، وأخرجه البيهقي في السنن، ٤ / ٣١٠، والإمام أحمد في المسند: ٢ / ٢٥١ بإسناد صحيح وبشرح الشيخ أحمد شاكر: ١٣ / ١٥٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨٦.]] . وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأُبَيٍّ وَعَائِشَةَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ ابن كَعْبٍ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا، فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا هِيَ -وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ -لَيْلَةَ، سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَنَّى عَلِمْتَ هَذَا؟ قَالَ: بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَحَفِظْنَا [وَوَعَيْنَا] [[في "ب" وعددنا.]] ، هِيَ وَاللَّهِ [لَا تُنْسَى] [[في "ب" لا نستثني.]] ، قَالَ قُلْنَا لِزِرٍّ: وَمَا الْآيَةُ؟ قَالَ: تَطْلُعُ الشَّمْسُ كَأَنَّهَا طَاسٌ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ [[أخرجه مسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث عليه برقم: (٧٦٢) : ٢ / ٨٢٨، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٣٨٧.]] . وَمِنْ عَلَامَاتِهَا: مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ رَفَعَهُ: أَنَّهَا لَيْلَةٌ [بَلْجَةٌ] [[أي مشرفة، النهاية: ١ / ١٥١.]] سَمْحَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تَطَلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا لَا شُعَاعَ لَهَا [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن مرسلا: ٣ / ٥١٤، وعبد الرزاق في المصنف: ٤ / ٢٥٢ - ٢٥٣، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤ / ٢٦٠: "وقد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي، منها في صحيح مسلم عن أبي بن كعب - الحديث السابق - وفي رواية لأحمد من حديث: "مثل الطست" ونحوه لأحمد من حديث أبي عون عن ابن مسعود، وزاد: "صافية" ومن حديث ابن عباس نحوه، ولابن خزيمة من حديثه مرفوعا: "ليلة القدر صافية بلجة طلقة لا حارة ولا باردة. . ".]] . وَفِي الْجُمْلَةِ: أَبْهَمَ اللَّهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةَ، وَأَخْفَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَرِضَاهُ فِي الطَّاعَاتِ لِيَرْغَبُوا فِي جَمِيعِهَا، وَسُخْطَهُ فِي الْمَعَاصِي لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِهَا، وَأَخْفَى قِيَامَ السَّاعَةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الطَّاعَاتِ حَذَرًا مِنْ قِيَامِهَا.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.