الباحث القرآني

وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾: من تأَوَّل (أن) السَّكَرَ في الآية: خمورُ الأعاجم، قال: هو منسوخ بتحريم الخمر في المائدة وغيرها. وقيل: إن هذا لم يُنْسَخ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك ولا أباحه لنا في هذه الآية، إنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرَّمه الله (في المائدة). وقيل: إن هذا الخبرَ وشبهه جائزٌ نسخه، والأخبار على ضربين: - ضربٌ يُخْبِرُنا الله به عن شيءٍ أنه كان أو أنه يكون، وهذا لا يجوز نسخُه (وكذلك إذا أخبرنا عن شيءٍ) بأن يخبرنا الله أنه ما كان أو أنه لا يكون - تعالى الله عن ذلك. - والضَّرْبُ الثاني من الخبر هو الذي يجوز نسخُه: وهو أن يخبرنا أن قوماً فعلوا شيئاً، أو استباحوا أَمراً، وتمتعوا به، ولم يُحَرِّم ذلك عليهم، ثم يخبرُنا الله أنه محرَّمٌ علينا، فينسخُ ما أخبرنا به أنه كان مباحاً لمن كان قبلنا، فهذا نسخ المسكوت عنه من فهم الخطاب لأنه قد فُهِم من قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ أنه كان مباحاً لهم، فسكت عن حكمنا فيه، فجاز أن يكونَ (مباحاً) لنا أيضاً، ثم نَسَخَ جوازَ إباحته لنا بالتحريم في المائدة، ولو أخبرنا في موضعٍ آخر أنهم (لم) يتخذوا منه سَكَراً لكان هذا نسخَ الخبر، وهذا لا يجوز على الله - جلَّ ذكره - لأنه تعالى لا يخبر بالأخبار إلا على حقيقتها. ومن قال: إن السَّكَر: الطعم، وهو (قول) أبي عبيدة، أو قال السَّكَر: ما سدَّ الجوع، فلا يجوز فيه نسخٌ على هذا.