الباحث القرآني

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه﴾. قال مجاهد: كانوا من هذه في مشقة وجهد حتى نزل: ﴿وإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]، يريد أنه نُسخ بذلك، وقيل: بل نسخه قولُه: ﴿فَلْيَأْكُل بِالمَعْرُوف﴾ [النساء: 6]. والذي يوجبه النظر وعليه جماعة من العلماء أَنه غيرُ منسوخ، لأنه (قال تعالى): ﴿إِلاَّ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [الإِسراء: 34]، ففي هذا جوازُ مخالَطَتِهِم بالتي هي أحسن، وهو قولُه: ﴿والله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح﴾ [البقرة: 220]، فكلا الآيتين يُجوّز مخالطةَ اليتيم، فلا يجوز أن تنسخ إحداهما الأخرى لأنهما بمعنى واحد. وقوله: ﴿فَليأكُلْ بِالمَعْرُوف﴾ [النساء: 6]، معناه: يستقرض ويَرُدّ، وقيل: هو أمر لليتيم يكون ماله قليلاً - وقد مضى شرح ذلك كله -. وإنما يجوز أن يكون: "وإن تخالطوهم"، ناسخاً لقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيم﴾ [الإِسراء: 34] لو كان نهياً حتماً، ولم يقل: ﴿إِلاَّ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾، فقوله: ﴿إلاّ بالّتي هِيَ أحْسَن﴾، هو إجازة مخالطتهم، وجواز مخالطتهم لا يكون إلا بالتي هي أحسن لقوله: ﴿واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، أي يعلم من يخالطُهم بالتي هي أحسن من غيرِه، فلا نسخ يصح في هذا. قولُه تعالى: ﴿وأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً﴾ [الإِسراء: 34]: رُوِيَ عن السُّدِّي أنه قال: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿إنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] - الآية - وقال: كان هذا الحكمُ يومَ نزل: ﴿إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ أن يُسأل الرجل عن العهد ثم يدخل الجنة حتى نزل: ﴿إنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ - الآية -. والذي (عليه الجماعة ويوجبُه النظر) أن هذا غيرُ منسوخٍ لأنه خبرٌ لا يجوز نسخُه، ولو نُسِخَ هذا لصار المعنى: إن الله لا يسأل عن العهد، لأن نسخَ الشيء: رفعُ حُكْمِه، وهذا الحكمُ لا يجوز أَن يُرفع. فالآيتان محكمتان يسأل اللهُ عبادَه عن الوفاء بالعهد، ثم يعاقبُ مَنْ باعه ولم يفِ به بما شاء و (يعفو) عمَّن شاء من أهل الإِيمان. والعهد: قد يكون التوحيد، ويكون ما عهد به إلى أهل الكتاب (ليبينوا) ما فيها للناس من أمر محمدٍ ﷺ ومن غير ذلك من الدِّين.