الباحث القرآني

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿فولِّ وَجْهَكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحَيْثُما كُنتم فولُّوا وجوهَكُم شطرَه﴾: هذه الآيةُ عند أكثرِ (المفسرين) وأهلِ المعاني ناسخةٌ (لِلصّلاة إلى بيتِ) المقدسِ، وهي عندَهم أَوَّلُ ما نُسِخ. وإذا (كان) هذا أَوَّلَ ناسخٍ ومنسوخٍ - على قول جميعِهم - والناسخ والمنسوخ مدنيُّ - فواجبٌ أن لا يكونَ ناسخٌ ومنسوخٌ مكيّاً؛ إِذ أَوَّلُ النسخِ عندَهُم إنّما حدَث بالمدينة، وكان نسخُ القبلةِ بعدَ الهجرة بستَّةَ عشرَ شهراً، وقيل سبعةَ عشَرَ شهراً، إلا أن يكونوا أرادوا بقولِهم (هذا): أَوَّلَ ناسخٍ ومنسوخٍ، يعنون: بالمدينة، فيجوز أن يكون ثَمَّ مكيٌّ نَسَخَ مكِّياً. ولم أَجدْه مجمعاً عليه، وسترى ما وجَدْتُ منه. واختُلِفَ في صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ إلى بيتِ المقدس، هل كان بأمرٍ من الله - عزَّ وجلَّ - أو باختيارِه؟ فقال جماعةٌ: كانَ بأمرٍ مِن الله، بدليل قوله: ﴿وما جَعَلْنَا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ - يعني بيتَ المقدس - وقد قيل: القِبلَةُ في هذه الآية: الكعبة، و"كُنْتَ": بمعنى: أنت. فلا حُجَّةَ فيه لمن استدلَّ به على أَن النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدِس بأمرٍ (مِن) الله - على هذا القول -؛ لأَِنَّ القبلةَ في قوله: ﴿الَّتى كُنْتَ عليها﴾ مرادٌ بها الكعبة. (وعلى) القول الأول، يراد بها بيتُ المقدس. و"كنتَ" بمعنى: أنت، جائزٌ على أن (تكون "كان" زائدةً). وقد قيل في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ﴾ معناه: أنتُم خيرُ أُمَّة. قال ابنُ زيد: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بِمكَّةَ يُصَلُّونَ نحو الكعبة ثمانيَ سنين. قال وكانوا يُصَلُّونَ ركعتيْنِ بالغداةِ وركعَتيْنِ بالعشيّ، فلما فَرَضَ اللهُ "خمسَ صلواتٍ"؛ إِذْ عَرَجَ النبيُّ ﷺ صارت الركعتان لِلمسافر. قال: فلما هاجَرَ النبيُّ - عليه السلام - إلى المدينة أَمرَه (الله - عزَّ وجيل -) بالصَّلاة نحو بيتِ المقدس. وعنه أيضاً أنه قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ، قال: ما ندري أين نتوجه؟ فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ المشرقُ والمغربُ فأينما تُولُّوا فَثَمَّ وجهُ الله﴾ [البقرة: 115] فصلّى النبي ﷺ نحوَ بيتِ المقدس ستَّةَ عشَرَ شهراً، فتكلَّمَت اليهودُ فقالوا: ما درى محمدٌ وأصحابُه. ولا اهتدوا لِقِبْلَتِهم إلا بنا، فشقَّ ذلك على النبيِّ - عليه السلام فَنَسَخَ اللهُ القبلةَ، (وأَمرَه) بالصَّلاة نحو الكعبة. وقال ابنُ حبيب: كان الله - جلّ وعزَّ - قد أَمرَ نبيَّه أن يقتدِيَ بمن كان قبلَه من الأنبياء، يريدُ بقوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: 90]. قال: فلمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينةَ صلّى نحو البيت المقدس؛ لأنها كانت قبلةَ جماعةٍ من الأنبياء قبلَه. ثم شقَّ على النبي قولُ اليهود في القبلةِ. فنسخَ اللهُ ذلك بالكعبة. وقد قيل: إن الله - جلَّ ذكرُه - كان قد فرضَ على إبراهيم [- خليله - الصَّلاَةَ نحو الكعبة، ودلَّ (على) ذلك قولُه ﴿واتَّخذُوا مِن مَقام إبراهِيم] مُصَلَّى﴾ - على قراءة من قرأ بفتح الخاء - على الخبر -. ثم أمر الله نبيّه - بغير قرآن - بالصَّلاة نحو بيت المقدس، فصلَّى نحوها (بضعةَ عشرَ) شهراً، وكان يُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكعبةِ. فَنَسَخَ (الله) الصَّلاة نحو بيتِ المقدس بالصَّلاة إلى الكعبةِ، فصار المنسوخُ ناسخاً لِما نسخَه اللهُ قبلُ. وهذا قليلُ النَّظير في الناسخ والمنسوخ. فهذا كُلُّه يدُلُّ على أن الصلاةَ نحو بيتِ المقدس [كان بأمرِ الله له، فهو نَسْخُ قرآن بقرآن. وقد رُوِيَ أن الأنصارَ (صلَّت نحو بيت المقدس] قبلَ قدوم النبي ﷺ حَوْلين). فلما قَدِمَ النبي ﷺ صلّى نحو (بيتِ المقدس) بضعةَ عشرَ شهراً، وكانت نفسُه تائقةً إلى قِبلة أبيه إبراهيم. فأمره اللهُ باستقبالها. وقيل: بل صلَّى نحو بيتِ المقدِس لِيَتأَلَّفَ بذلك اليهود؛ وذلك أنه هاجرَ إلى المدينة، وكان أكثرُ أهلِها ومَنْ حواليها اليهودَ، فصلَّى نحو بيتِ المقدس، ليتألَّفَ بذلك اليهودَ، فطعنوا في ذلك وتكلَّموا فيه بما شقَّ على النبيِّ وأصحابِه. فأمر اللهُ بالصلاةِ نحو الكعبةِ. فيكون - على هذا القولِ - مِن نَسْخِ السُّنة بالقرآن -. والشَّطْر: النحو - في الآية -.