الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكُمُ القِصاصُ في القتلى﴾ الآية. يجبُ مِن ظاهِر لفظِ الآية أن لا يُقْتَلَ الرَّجُلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرَّجُل، ولا العبدُ بالحُرِّ (ولا الحُرُّ بالعبد). وقال ابن عباس: هذا منسوخٌ بقوله في المائدة: ﴿النَّفْس بالنَّفْس﴾ [المائدة: 45]. فهذه (الآيةُ) أَوْجَبَت قَتْلَ الرَّجُلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرَّجُل، والعبدَ بالحُرِّ، وهذا لا يجوزُ عند جماعةٍ مِن العلماء؛ لأَنَّ ما فرضَه الله علينا لا ينسخُه ما حكى اللهُ لنا من شريعةِ غيرِنا؛ إنّما أخبرنا الله - في المائدةِ - بما شَرَع لِغيرنا، لم يفرضْه علينا، فيكونَ ناسخاً لما تقدَّم من سُنَّةِ الفرضِ علينا. وَلكِنْ: الآيتانِ مُحْكمتان لا نسخَ في واحدةٍ منهما، على ما نبيِّنُه بعد - إن شاءَ الله تعالى -. وفي هذه الآية أَربعةُ أقوالٍ غير (القول الأول) الذي ذكرناه: الأول: قاله الشعبي وغيرُه، قالوا: آيةُ البقرةِ مخصوصةٌ نزلت في قوم تقاتلوا، فقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ وكانت إحدى الطَّائفتين أعزَّ من الأُخرى، فقالت العزيزةُ: لا يُقتلُ العبدُ منّا إلا بالحرِّ مِنكُم، ولا بالأنثى منّا إلا بالرَّجلُ منكُم، فنزلت الآيةُ في ذلك، ثم هي في كُلِّ مَن أراد أن يفعلَ كفِعْلِهِم، فهي محكمة. الثاني: قاله السُّدِّي، قال: هي مخصوصةٌ في فريقين تقاتلا على عهدِ النبي - عليه السلام - ووقع بينَهما قتلى، فأمر النبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - أن يفادَى بينهم، ديّاتُ النّساء بديّات النّساء، وديّات الرّجال بديّات الرّجال، فهي في شيءٍ بعينِه، (وهي تعَبُّدٌ) لمن يأتي بعدَهم، فهي محكمة. الثالث: قاله الحسنُ البصريُّ، قال: نزلت آيةُ البقرةِ في نسخِ التَّراجُع الذي كانوا يفعلونَه، وذلك أنهم كانوا يَحْكُمون فيما بينَهم أَنَّ الرّجُلَ (إذَا قتل امرأةً، كان أولياءُ المرأة بالخيار، إن شاؤوا قتلوا الرَّجُلَ)، وأَدَّوْا نصفَ دِيَتِه، وإن شاؤا أخذوا نصفَ دِيَة رجل. وإذا قتلت المرأة رجلاً، كان أولياء الرجل مخيّرين إن شاءوا قتلوا المرأة وأخذوا نصف دية الرجل وإن شاءوا أخذوا الدِّيَة كاملةً، ولم يقتلوا المرأةَ، فنسخَ اللهُ ذلك مِن فِعْلِهم. وقد روي هذا القولُ عن عليٍّ - رضي الله عنه - فتكونُ هذه الآيةُ - على هذا القول - محكمةً ناسخةً لما كانوا يفعلونه. الرابع: قاله أبو عبيد، قال: (آيةُ المائدة مفسِّرةٌ لآية البقرة؛ لأن أَنْفُسَ) الأحرارِ متساويةٌ فيما بينَهم. وعلى هذا أكثرُ الفقهاء. يُقْتَلُ الحرُّ بالحرِّ والأنثى بالأنثى بآية البقرة وآية المائدة. ويقتلُ الرَّجلُ بالمرأة، والمرأةُ بالرَّجُلِ بآية المائدة. والآيةُ - عند مالك - محكمةٌ، ورُوِي عنه أنه قال: أَحسنُ ما سمعنا في هذه الآية، أنها يُراد بها الجِنسُ، الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. وأشار أَبو عبيدٍ إلى أَن قولَه هو مذهبُ ابن عباس. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيءٌ فاتِّباعٌ بالمعروفِ﴾ [البقرة: 178] - الآية -: قال مؤلفو النّاسخ والمنسوخ: هذا ناسخٌ لما كان عليه بنو إسرائيل من امتناع أخذِ الدِّيَةِ، فخفَّف الله عن هذه الأُمَّة، وأباحَ لهم العفوَ عن القاتل عَمْداً وأَخْد الدِّيَة. (قال أبو محمد): وقد كان يجبُ أَلاَّ (يَذكروا) هذه الآيةَ وشبهَهَا في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها كآي القرآن كُلِّها التي نَسَخَت شرائعَ الكفارِ وأهلِ الكتاب، ولو نسخَت آيةً أخرى (لوجبَ) ذكرُها. وقد بيّنا هذا. وفي هذه الآية إشكالٌ - على مذهب مالك - نُبَيِّنهُ إن شاء الله تعالى: المعروفُ مِن مذهبِ مالكٍ وأَصحابِه: أن المعفوَّ له بالديّة وليُّ الدَّم، عُفِيَ له بديّة أُعْطِيَها عِوَضاً من قتل القاتل (فَقبِلَها) والعافي: القاتل عفا عن نفسه بأن بذل الديّة. والتقدير: فمن أُعْطيَ ديّة فقبِلَها فعليه أن يتبعَ المعْطِيَ بالمعروف، وعلى المعطي أن يُؤدِّيَ ما بذل بإحسانٍ. فـ "مَنْ". في قوله: ﴿فَمنْ عُفِيَ له﴾: اسم وليّ الدم. فاتِّباعٌ بالمعروف: أَمرٌ للوليّ أن يَتْبَعَ القاتلَ فيما بذلَ له من الدِّيَة بمعروف. (وقولُه): وأداءٌ إليه بإحسان: أَمْرٌ للقاتِل أُمِرَ أَن يُؤدِّيَ إلى الوَليِّ ما بذلَ له من الدِّية بإحسان. وفي رجوع الهاءات بيانُ هذا المعنى: فالهاء في "له" وفي "أخيه"، وفي "إليه" يعُدْنَ على الوليّ. والأخُ: هو القاتل. وعفي له - على هذا القول - معناه: يُسِّرَ. (فهذا مذهب مالكٍ وأصحابه). وقال عبدُ العزيز بنُ أَبي سلمَة: معناها: من أُعطِيَ لَه (من أخيه شيءٌ مِن) العَقْلِ فرضيَ به فِلْيَتْبَعْهُ بالمعروف، وليؤدِّهِ إليه القاتلُ بإِحسان. ومذهبُ غيرِ مالكٍ: أن المعفوَّ له: هو القاتِل. والعافي: وليُّ الدم. وعفي: بمعنى: ترك - على هذا القول -. فاتباع بالمعروف: أمر للوليِّ - مثلُ القول الأول -. وأَداء إليه بإحسان: أمرٌ للقاتل - كالقول الأول -. والأخ - في هذا القول -: وليُّ الدم. و "مَنْ" - في هذا القول -: اسم (القاتل).. والهاء في "له" وفي "أخيه" - على هذا القول -: تعودان على القاتل. والهاء في "إليه" (تعود) على الوليِّ - كالقول الأول -. فأما الترجيح بين المذهبين فليس هذا موضِع ذِكْرِه. وقد قال مالك في قوله تعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَا الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكَاح﴾ [البقرة: 237]: إن العافي: الوليّ بِتَرْكِ ما وجب لابنتِه البكر أو لأَِمَتِه سُمِّيَ عافياً، لأنهُ تركَ ما وجبَ له، وهو ضدُّ قوله في هذه الآية. وقال غيرُه: العافي: هو الزوج. (قال أبو محمد): ولا عفوَ (له) إذا أَدَّى ما عليه. وهو ضدُّ قوله (في) آية القتل. فَكُلُّ واحدٍ على ضِدِّ قولِه في الآية الأخرى. وإنما شرحْتُ معناها على المذهبين؛ لأني ما رأيتُ أحداً بيَّن ذَلِك ولا كَشفه.