الباحث القرآني

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿الوَصِيَّةُ للوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِين﴾: الأشهرُ في هذه الآية أنها منسوخةٌ. واختُلِفَ في الناسخ لها ما هو؟ فَمَن أجاز أن تنسخ السُّنةُ المتواترةُ القرآنَ قال: نسخ فرضَ الوصية للوالدين ما تواتر نقلُه من قول النبي ﷺ: "لا وصيَّةَ لوارث". - وقد حكاه أبو الفرج عن مالك كذلك -. ونسخت آية المواريث فرضَ الوصِيَّة للأقربين. ومن منع نسخ القرآن بالسُّنة قال: نُسِختْ الوصِيَّةُ للوالِدَيْن بقوله: ﴿ولأَبويْهِ لِكُلِّ واحد منهما السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] - وكذلك قال مالك في الموطأ - ونُسخت الوصيَّةُ للأقربين بالمواريث. ولا حُجَّةَ لمن قال هذا على من قال له: ولمَ (لا) تثبت الوصيَّةَ والفرضَ لهما؟ - لأنَّه مُطْلَقٌ في الموضعين (لم يقل: لا شيء) لوالديه إلا السُّدسان فيكون ناسخاً للوصية. إنما قال: لهما السدسان فرضاً، وقال: لهما الوصية -. (فلا) بُدَّ من استعمال قولِ النبي ﷺ: "لا وصيَّة لوارث". وقد يحتجُّ مَن قال: نَسختْ آيةُ المواريث الوصيَّةَ بأن المواريث قد حدَّ فيها قدراً معروفاً، والوصيَّةُ لم يحُد فيها قدراً معروفاً، فكان المحدود أولى من غير المحدود، وله من الحجَّةِ غيرُ ذلك. وقد روى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسم عن مالك أنه قال: نزلَت هذه الآيةُ قبل الفرائض، ثم أنزل اللهُ فرائضَ المواريث، فنسخَت المواريثُ الوصيةَ للوالدين ولكل وارث، إلا أن يأذنَ الورثةُ - وكذلك قال ابنُ شهاب والحسنُ وعطاء وزيد بن أسلم -. وقيل: الأحسنُ: أن يكونَ نسخَ الوصيةَ للوالدين قولُهُ: "لا وصيةَ لوارث". لأن الله لما ذكر فرض الوالديْن، قال بعدَه: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقد كان يجوز أن يُثْبِتَ لهما الفرضَ المذكورَ مِن بعد ما يوصي لهما به بنصِّ القرآن، فَنَسْخُ الوصية للوالدين بآية المواريث فيه إشكال لاتِّصال قوله: ﴿مِن بعدِ وصيَّةٍ يوصي بها أو ديْن﴾ بفرضِ الوالديْن. فالنَّسخُ بالسنّة أولى به إِذْ لا إشكالَ في ذلك. - على أنه قد أجمعَ (المفسرون) أنّ قولَه: ﴿الوصيّةُ للوَالِدَيْن﴾ نزل قبل نزولِ آيةِ المواريثِ، ففي هذا قُوَّةٌ لِنسخِ الوصيَّة للوالديْن بآيةِ المواريث -. وكذلك الكلام في نسخ الوصيَّة للزّوجات، في قوله: ﴿وصيّةً لأَزوَاجِهِم﴾ [البقرة: 240]؛ لأن بعدَ فرضِهِنّ: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فنسخ ذلك بالسُّنة (أولى) وأحسنُ عند قوم لما ذكرنا أولاً فافهمه. وقد قيل: بل نَسخَ الوصيَّة للأقربين التخصيصُ في قوله: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى﴾ [النساء: 8] - الآية -. فحضّ الله على أن يعطوا إذا حضروا، ولو لم يُفْرَض لهم ذلك، بدَلالة الإِجماع على أن اليتامى والمساكين المذكورين مع أُولي القربى إذا حضروا القسمةَ (لا فرضَ) لهم يُعطَوْنَه، وقد عُطفوا على الأقربين، فالحكم فيهم واحد لا فرض لجميعِهم. ولكنَّه نَدْبٌ نَسخَ ما كان فرضاً من الوصيَّة لِلأَقربين. وبيَّنَت السُّنَّة أَنَّا غير مُخيَّرين في الوصيَّةِ للوالديْن المنسوخةِ وتركِها؛ إذ قال ﷺ "لا وصيَّة لوارثٍ". وبقي التَّخييرُ لنا في الوصيَّةِ للأقربين غير الوارثين المنسوخة، إن شئنا فَعَلْنا ذلك، وإن شئنا لم نفعلْه، وفعلُه أفضلُ كصوم عاشوراء - وهذا قول مالك وأصحابه وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وابن زيد، وهو قول ابن عمر والسُّدِّي -. وقال قتادةُ والحسن (في هذه) الآية: نُسِخَ منها الوصية للوالدين بآية المواريث، وبقي فرض الوصية للأقربين ممّن لا يرث، وهو اختيار الطبري. وقد قال الضحاك: من مات ولم يوصِ لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وقال الحسن: إذا أوصى الرَّجلُ لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثُلُثُ الثلث، والباقي من الثلث لقرابتهِ - وقاله طاووس -. وقال الشعبي والنخعي: (الوصيَّةُ للوالدين والأقربين في الآية على الندب) لا على الفرض. فمنعت السنةُ (من جواز الوصية للوالدين وبقيت الوصيَّةُ للأقربين على الندب).