الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَليكُمُ الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكُم لعلّكُم تتقون﴾ الآية. قال ابنُ حبيب: هذا من قوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقتَدِه﴾ [الأنعام: 90] وكان المسلمون يقتدون بصيام أهل الكتاب وفِعْلِهم، فكانوا إذا صلُّوا العشاءَ حرُمَ عليهم الطعامُ والشَّرابُ والوطءُ إلى مثلِها من اللَّيْلَةِ القابِلَة. وقيل: كان يلزمُهم ذلك إذا ناموا. فخفَّفَ اللهُ ذلك عنهُم، ونسخَه بقوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يتبيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبيضُ من الخيطِ الأسودِ﴾ [البقرة: 187] الآية. وبقوله: ﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيام الرَّفَثُ إلى نسائِكم﴾ [البقرة 187] - الآية -. ونُسِخَ فرضُ صيام من كان قبلَنا بفرض رمضان. قلتُ: فالآية على قوله منسوخةٌ، أعلَمنا الله فيها أنه فرَضَ علينا مثلَ ما فرض على من كانَ قبلَنا. ثم نسخَ ذلك. وهو قول السُّدِّي وأبي العالية. وقيل: الآيةُ ناسخةٌ وليست بمنسوخةٍ واختُلِفَ في ذلك: فقيل: هو ناسخٌ لما فرَضَ النبيُّ ﷺ على أُمتِه من صوم يوم عاشوراء. قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "كان يومُ عاشوراء يوماً تصومُه قريش في الجاهلية، فلمَّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، صامه وأَمَر بصيامه. فلما فُرض رمضانُ كان هو الفريضة. وتُرِكَ صيامُ يوم عاشوراء، فمن شاءَ صامه ومن شاء تَرَكَه" - وقاله جابر بن سمرة وغيره -. وقد قال قومٌ: إن فرضَ صومِ يومِ عاشوراء باقٍ إلى الآن، وهو قول شاذٌّ، غيرُ معمولٍ به. والنَّسخُ (لِصومِ) يومِ عاشوراء كان بالمدينةِ لحديث عائشة - رضيَ الله عنها - وقولها: فلما قَدِم رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ صامه، وأمرَ الناس بصيامه؛ لأَن صومَ رمضان بالمدينة فُرِض. وقال ابنُ عباس: هذا ناسخ لما كان (أَمرَ به) النبي ﷺ كان أمَرَ بصيام ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهر في أوَّل قدومِه المدينة، وقاله معاذٌ وغيره وقال عطاء: هو ناسخٌ لما فُرِض على من كان قبلنا، كان فُرِض عليهم صوم ثلاثة أيام من كُلِّ شهر، وهو قولُ قتادة. قال أبو محمد: وقولُه تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفَا﴾ [البقرة: 187]، يدُلُّ (على) أن الله فرضَ علينا ما كان فرَضه على من كان قبلَنا من الصيام وتركِ الطَّعام والشرابِ والوطءِ بعدَ النوم. فهو منسوخٌ (بما) بعدَه، دليلُ ذلك أن الخيانةَ لا تلْحَقُ إِلاَّ مَن تَرَكَ ما أُمِر بِه وفَعَلَ ما نُهِيَ عنه. وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، يدلُّ على ذنبٍ اكتسبوه وهو الوَطءُ والأَكْلُ والشُّرْبُ بعدَ النوم في ليالي الصيام. وكذلك قولُه: ﴿وعَفَا عَنكُمْ﴾ يدلُّ على أنهم أَذنبوا ذنباً عفا لهم عنه، وهو ما ذكرنا. ولا يكونُ الذَّنْبُ إلاَّ عن ركوبِ نهيٍ أو تركِ أمر، فدلَّ على أنه كان مفروضاً عليهم، ثم نُسخ بإباحة الأكل والشرب والوطءِ بعدَ النوم. وقد قال الشعبيُ والحسنُ ومجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ ناسخة ولا منسوخة. وذلك أن الله - جلّ ذكره - كان قد افترضَ على من كان قبلَنا مِن النصارى صومَ رمضان، فحولُّوه عن وقته، ثم زاد كل قَرْنٍ يوماً في أوله للاستبراء والاحتياط ويوماً في آخره حتّى صارَ إلى خمسينَ يوماً، ففرضَ اللهُ علينا صومَه خاصَّة كما كان فرضاً عليهم بقوله: ﴿كُتِبَ عليكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: 183]. والكلامُ في إعراب الكاف من قوله: ﴿كما كُتِبَ﴾، (يصرح بالمعنى) وبُبَيِّنه، وقد ذكرناه في غيرِ هذا الكتاب.