الباحث القرآني

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾: ثم أباحَ ذلك لمن كان مريضاً، أو به أذىً من رأسِه، وأوجَبَ عليه الفديةَ. فقال قوم: هذا ناسخٌ للنَّهْيِ عن حَلْقِ الرّأس حتى يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه. (والظَّاهِرُ في هذا البيِّنُ) أنه ليس فيه نَسخٌ، لأَنّه متَّصِلٌ بالأَوّل غيرُ منفصل منه. وإنما يكونُ الناسخُ منفصلاً من المنسوخ. (فهي) أحكامٌ مختلفةٌ في شروطِها متَّصِلٌ بعضُها ببعض لا ينسخُ بعضُها بعضاً. قوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجَّ والعمرةَ لِلَّه﴾: أمرَ اللهُ المسلمين بإتمام ما دخلوا فيه وعقدوه على أَنفُسِهِم من حَجٍ أو عمرةٍ. ولا دليلَ في هذا على فرضِ العُمْرَة إنّما هو أمرٌ بإتمام ما دخلوا فيه من ذلك. ويبيِّنُ أن العمرة ليست بفرض قراءةُ الشعبي: "والعمرةُ للهِ" - بالرفع - فهذه القراءةُ لا تأويل فيها لفرضِ العمرة. وقوله: ﴿وأتموا الحجَّ﴾ ولم يقل: حجّوا واعتمروا (يدلُّ على أن) ذلك مرادٌ به غيرُ الفرض. وإنما هو مثلُ قوله: ﴿أوفُوا بِالعُقُود﴾ [المائدة: 1] فمن عقَدَ بِرّاً على نفسِه وجبَ عليه إتمامُه. وقراءة ابن مسعود: "والعمرة للبيت لله" وعنه: "والعمرة إلى البيت لله". يدل على أن العمرةَ ليست بفرضِ - قرىء بنصب العمرة أو برفعها -. وكما أن ذِكرَ الحجّ في هذه الآية ليس يوجبُ فرضَ الحج، إنما وجبَ فرض الحجِّ بقوله تعالى: ﴿وللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]. كذلك ذِكْرُ العمرَةِ فيها لا يوجب فرضَها. ولا آية أُخرى توجِبُ فرضَ العمرة في القرآن (فبانَ أنّ) العُمْرَةَ ليست بِفَرض. وقد ذكرَ أهلُ المعاني والتفسير أنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ لما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابَه بعد أن أَحرموا (بالحجِّ) أن يفسخوه في عمرة. (والآيةُ) محكمةٌ، (تدُلُّ) على أنَّ مَن دخَلَ في طاعة وعقدَها على نفسه أن عليه إتمامَها. وقد أبى مِن فَسْخِ الحجّ في عُمرة (أبو بكر وعثمان وعلي) - رضي الله عنهم - بحكم ظاهر الآية. وأجازه ابن عباس لإباحة النبي ﷺ ذلك. وذهب أبو عبيد: إلى أنَّ فسخَ الحجِّ في عمرة منسوخٌ بفعل الخلفاء الراشدين، يعني الذين ذكرنا. وعلى منعِه أكثرُ العلماء مالكٌ وغيرُه. وقد قيل: إنه إنما أباح النبيُّ ﷺ ذلك لِعِلَّةٍ، وذلك أنهم كانوا لا يرونَ العُمرةَ في أشهرِ الحج جائزةً، ويرونَه ذنباً، فأَمرَهُم النبيُّ ﷺ بفَسخِ الحجِّ وتحويلِه إلى عُمرة في أشهر الحجّ، ليعلموا أن العمرةَ جائزةٌ في أشهر الحجّ. فَفِعْلُه ذلك كان لِعِلَّةٍ، فبزوال تلك العلة يزولُ الحكمُ. وله نظائرُ في القرآن. وقيل: إن ذلكَ مخصوصٌ للنبي ﷺ ورُويَ عنه أنه سئل عن ذلك فقال: (إنه) لنا خاصَّة. (قال أبو محمد): ومعنى فسخ الحجِّ في عُمرة: هو أن يُهِلَّ الرَّجُلُ بالحجّ ولا هَدْيَ معه، فعليه أن يدخلَ مكةَ فيطوفَ ويبقى على إحرامه حتَّى يحجَّ ويقضيَ مناسكَه من الوقوفِ بعرفاتٍ والمزدلفة و (من) رمي الجمارِ وغيرِ ذلك، وهو على إحرامِهِ، ويحلق ويطوفَ طوافَ الإِفاضة، وعليه السَّعْيُ بين الصّفا والمروةِ بعدَ الطَّواف، ويُحِلُّ مِن حجّته بعد ذلك كُلِّه، فهذا لازمٌ له، وبه يُتِمَّ ما عقدَه من الحجّ. (فإن فسخَ حجَّه في عمرة) - على قول ابن عباس - فإنما عليه أن يَدخلَ مكة ويطوفَ ويسعى ويَحْلِقَ وَيُحِلّ. فذلك الأولُ عملُ الحج. وهذا عملُ العمرة. فإذا (حَلَّ) مِن عمرته التي فسخَ الحجَّ (فيها) ابتدأَ الإِهلالَ بالحجِّ مِن مكة أو من الحِلِّ إن شاء، وبه يتمُّ حَجُّه على ما ذكرنا. وإن تمادى (في) حَجِّه ولم يفسخْه في عُمرةٍ، وأرادَ العمرةَ، فإنه إذا حَلَّ من حجِّه خرجَ إلى التنعيم (إلى الحِلِّ)، أو إلى الحِلِّ مِن أي ناحيةٍ شاء، فأَحرَم ولبَّى ودخلَ مكةَ فطاف وسعى وحلَق، وحلَّ من عُمرته.