الباحث القرآني

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
قوله تعالى: ﴿الطَّلاَق مَرَّتان﴾ الآية: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَبُعولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] يعني: في العِدَّة، أو هي حامل. قال ابن أَبي أُويس: كان الرَّجُلُ في أوّل الإِسلام يطلِّق زوجتَه ثلاثاً، وهي حُبلى، وهو أحقُّ برَجْعَتِها ما دامت في العدّة، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿الطَّلاقُ مرَّتَان فإمساكٌ بِمَعروفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَان﴾. وقال جماعةٌ من أهل المعاني: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه في الجاهلية (وفي) أَوَّل الإِسلام، كان (الرَّجُلُ يُطَلِّقُ) امرأته ما شاء مِن الطلاق، واحدةً بعد واحدة، فإذا كادت تحلّ مِن العدّة راجعها ما شاء، فنسخ ذلك من فعلهم بهذه الآية. والمعنى: آخرُ عدد الطلاق الذي يملك معه الرَّجعة تطليقتان. وقد كان يجب ألاّ تذكرَ هذه الآيةُ في الناسخ والمنسوخ - على هذا القول -؛ لأنها لم تنسخ قرآناً. ويلزم ذكرُها - على القول الأول -. وقد قيل: إنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَطلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: 1]. قال أبو محمد: وهذا قول بعيدٌ، بل الآيتان محكمتان في معنيين مختلفين، لا ينسخ أَحدُهما الآخرَ آيةُ البقرة ذكر الله فيها (بيانَ) عدد الطَّلاق، وآيةُ الطَّلاقِ ذكرَ الله فيها بيانَ وقتِ بالطَّلاق. فهما حُكْمان مختلفان معمولٌ بهما، لا ينسخ أَحدُهما الآخر لتبايُنِ معنييهما. قوله تعالى: ﴿ولاَ يَحِلُّ لكُمْ أن تأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيئاً إلاَّ أن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيما حُدودَ الله﴾ [البقرة: 229] الآية: أدخل أبو عبيد هذه الآية في الناسخ والمنسوخ. وليست منه إنما هو استثناءٌ بحرفِ الاستثناء. وقد قيل: إنه منسوخٌ بقوله: ﴿فإن طِبْنَ لَكُم عن شيءٍ منهُ نَفْساً فَكُلُوه﴾ [النساء: 4]. والأوْلى والأَحْسن: أن تكونَ الآيتان محكمتيْنِ في حُكميْن مختلِفَيْن، لا ينسخُ أَحدُهما الآخرَ: آية البقرة في (منع) ما يأخذ الزَّوج من زوجتِه - على الإِكراه والمضارَّة بها -. وآية النساء في جواز ما يأخذ منها - على التطوُّع وطيب النفس من غير مضارَّة منه لها -. فهما حكمان مختلفان.