الباحث القرآني

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
قوله تعالى: ﴿والوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَينِ كامِلَيْن﴾: فأمر الله - جلّ ذكرُه - بالحولين. ثم قال: ﴿فَإِنْ أرَادا فِصالاً عَن تَراضٍ منهُمَا وتَشَاوُرٍ، فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233]. فأباح (مع التَّشاور والرضا أن يفطما المولودَ قبل الحولين. فنسخ (الله) الأول. فذهب قوم إلى هذا. (قال أبو محمد): ولا يجوز أن يكون فيه نسخٌ؛ لأنه تعالى قال أولاً: ﴿لمن أراد أن يُتِمَّ الرَّضاعة﴾، فهو تخيير وليس بإلزام فلا نسخَ فيه. قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ [البقرة: 233]: روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: هذا منسوخٌ ولم يذكر ما نسخَه، ولا كيف كان الحكمُ المنسوخُ. وتأويل ذلك فيما نرى - والله أَعلم -: أنه كان الحكم في الآية: أن على وارث المولود نفقَته إذا لم يكن له مال، ولا أب. وهو مذهب جماعة من العلماء، مِمَّن لم يرَ في الآية نسخاً، فنُسِخَ ذلك بالإِجماع على أن من ماتَ وترك حَمْلاً، ولا مال للميت، أنه لا نفقة للحامل على وارث الحمل، وقد كانت النفقة تلزم الزوج لو كان حيّاً. فكأنه كانت الإِشارةُ بذلك إلى النَّفقة، فصارت إلى ترك المضارَّة، وهو مذهب مالك المشهور عنه، أن الإِشارة في قوله: ["وعلى الوارثِ مثلُ ذلك" إلى ترك المضارَّة، وقد رواه عن مالك ابن وهب وأشهبُ. والنسخ بالإِجماع لا يقول به مالك. وقد قال جماعة من العلماء: الإِشارةُ] بذلك إلى النفقة، ولا نسخ في الآية. واخْتُلِفَ في الوارث مَن هو؟ فقيل: هو وارث المولود لو مات. وقيل: هو وارث الولاية على المولود. وهو الصواب - إن شاء الله -: يكون عليه من نفقة أُم المولود من مال المولود مثل (ما) كان على الأب، إن حَمَلْتَ الإِشارةَ على النفقة. فإن حملْتَها على ترك المضارَّة كان معناه: وعلى وارث ولاية المولود أن لا يضارَّ بالأُم. وكِلا القولين على هذا المعنى حَسَنٌ صواب. ويجوز أن تَحْمِلَ الإِشارةَ بذلك على النَّفقة وعلى ترك المضارَّة جميعاً، أي على مَن يرثُ الولايةَ على المولود ترك مضارَّة الأم، وعليه النفقةُ عليها من مال المولود. وقال السُّدِّي وقتادة: على وارث الطِّفل مثلُ الذي على الأب لو كان حيّاً (من النفقة) - وقاله الحسن -. وفي "الوارث" ومعناه أقوال غيرُ هذا تركتُ ذِكرَها لضعفها. والاختيار: أن يكون "الوارثُ" معناه: وارثُ الولاية على المولود - على ما قدَّمنا -. ولا ينكر أن يسمى انتقال الوِلاية وراثةً، فقد قال زكريَّا ﷺ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى ويَرِثُ مِن آلِ يعقُوب﴾ [مريم: 6]، قيل معناه: يَرِثُ النبوَّة لا المال. وقد قيل: معنى الآية: وعلى الصبيِّ المولود - وهو وارث الأب - نفقة أُمِّه من ماله إن كان له مال، ولم يكن له أب - وهو اختيار الطبري، وهو قول الضّحاك -. فالوارثُ - على هذا القول -: اسم المولود. لأنه وارثُ الزَّوج - وهو الأبُ الميِّتُ، والدُه - وهو قولٌ حسن. وعن ابن عباس في معنى ذلك: وعلى وارث الصَّبيِّ من أَجر الرّضاع مثلُ ما كان على أبيه إن لم يكن للصَّبىِّ مال. وقال قتادةُ: على ورثة الصَّبِيِّ أن ينفقوا عليه على قدر ميراثِ كُلِّ واحدٍ منهم. وبه قال أَهلُ العراق. فالآية محكمةٌ عندهم.