الباحث القرآني

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانتين﴾. [تواترت الأخبارُ عن عائشةُ - رضي الله عنها - أنها قرأت: والصَّلاة الوسطى] وصلاة العصر. فقال بعضُ العلماء: إن هذا مما نُسِخَ من التِّلاوة وبقي حفظُه في القلوب. وقيل: هي قراءةٌ على التفسير، وهذا إنما يَصِحُّ بحذف الواو من "وصلاة العصر". وهذا كُلُّه صحَّ فإنما نَسَخَهُ الإِجماعُ على ما في المصحف، لأنَّه لا يزادُ فيه شيءٌ يخالف خَطَّه. وقد رُوِيَ عن البراء بن عازب أن قال: كُنَّا نقرأُ على عهد رسول الله ﷺ (قال): ثم إنَّ الله نسخَها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الوُسْطَى﴾. فمَن قال: الوسطى: صلاةُ العصر، قال: كان لها إسمان نُسِخَ أَحدُهما بالآخر. ومن قال: الوسطى غيرُ صلاة العصر، لم يجعل لِلعصر إلا اسماً واحداً نُسخ بصلاةٍ أخرى. والوسطى - عند مالك - صَلاة الصُّبْح لأنها بين صلاتين من اللَّيل وصلاتينِ من النهار، ولأنها أَفضَلُ الصلوات الخمس (بدلائل) قد ذكرناها في غير هذا. وفيها اختلافٌ كثيرٌ قد ذكرناه في غير هذا الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: 238]: قال بعضُ العلماء: هذا ناسخٌ لما كانوا عليه من الكلام في الصَّلاة للنوائب، وردِّ السلام، وتشميتِ العاطس في الخُطبة، والأمرِ بقضاء الحوائج، ونُسِخَ النَّفْخُ في الصلاة بما نُسِخَ به الكلامُ أيضاً، وكذلك، التَّنَحْنُحُ. وقد رُوِيَ أن النبيَّ ﷺ فَعَلَهُما في الصَّلاةِ قبلَ نسخ الكلام في الصَّلاة، ثم نُسِخا بما نُسِخَ به الكلامُ. قال أبو محمد: وقد كان يجبُ ألا يُذْكَر هذا؛ (لأنه) لم ينسخ قرآناً، إنما نسخ أمراً كانوا عليه بغيرِ إباحةٍ من الله (ورسولِه) (لَهم)، ولا نهى عنه. والقرآنُ كُلُّه على هذا المعنى (نزل). وأصلُ القنوت: الطاعة، فالواجبُ حملُه على أصله، ويكون معناه: الأمر باطاعة لله على كل حال لا يخص صلاة دون غيرها. ويكونُ تركُ الكلام في الصَّلاة بفعل النبي ﷺ في صلاتهِ بهم أكثرَ ما أقام بينَهُم، فهو من التَّواتر المقطوع على تغييبه. فَمَن قال (نُسِخَ الكلامُ في الصلاة بقوله: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِين﴾ قال): نُسِخَ ذلك في المدينة. ومَن قال: نُسِخَ (ذلك) بالسُّنَّة، قال: نُسِخَ الكلامُ في الصَّلاة بمكة - وهو مذهبُ الشافعي -.