الباحث القرآني

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّم﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَسْمَعُون﴾: أخبرنا اللهُ - جلَّ ذكرُه - أن العابدينَ من المشركين والمعبودين في النار خبراً عاماً في الظاهر، وقد عُبِدَ عيسى بنُ مريم وعزيرٌ ومريمُ والملائكةُ والشمسُ والكواكبُ فتأَوَّلَ بعضُ الناس أنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ سَبَقتْ لَهُم منَّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدون﴾ [الأنبياء: 101] - الآيات - يعني بذلك: عيسى (وأُمَّه) وعُزَير والملائكة. والذي عليه أهل النظر وتوجبه الأُصول: أَنَّ هذا ليس بِنَسْخٍ، إنما هو تخصيصٌ وتبيين أَنَّ الآياتِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ - الآيات - غيرُ عامةٍ في كُلِّ معبودٍ من دون الله، (وأَنَّ مَنْ سبقت له) الحسنى عند الله من المعبودين غيرُ داخلين في عموم الآية، مع أنه لا يجوز في مثل هذا نسخٌ لأنه خبر، والأخبارُ لا تُنْسَخ إنما تُبَيَّن، وتُخَصَّص ولا يجوز فيها النَّسْخُ ولو جاز فيها النَّسخُ لكان المخْبِرُ بها قد أخبرَ بها على غيرِ ما هي عليه والله يَتَعالى عَن ذلك. وأيضاً فإن (هذا) لو نُسِخَ لوجبَ زوالُ حُكْمِ دخول المعبودين من دونِ اللهِ كُلِّهِم في النار لأَنَّ النسخَ إزالةُ الحكم الأَوَّل، وحلول الثاني محلَّه، ولا يجوزُ زوالُ الحكمُ الأَوَّلُ بكُلِّيته، إِنما زالَ بعضُه، فهو تخصيصٌ وبيان. فالآيتان محكمتان لا نسخ فيهما. وقد سمَّى جماعةٌ من المتقدمين هذا استثناءً، وليس كذلكَ لأن الاستثناءَ إنما يأتي بحرفِ الاستثناء، ولا حرفَ في هذا، فإنَّما هو تخصيصٌ وبيان. فأما قراءةُ ابنِ مسعود "إلاَّ الذينَ سَبَقَت" بـ "إلا" فهو استثناءٌ بلا شك، وهو يدل على معنى التخصيص، لأَنّ الاستثناءَ مباينٌ لِلنَّسْخ؛ إِذِ النَّسْخُ بيانُ الأزمان، والاستثناءُ والتَّخصيصُ بيانُ الأَعيان، فهما متباينان في المعنى أعني النَّسْخَ والاستثناء. وقد ذكرنا. (ما قيل) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُم إلاَّ وارِدُهَا﴾ في سورة مريم من أنه منسوخٌ بقولِه: ﴿إنَّ الذِينَ سَبَقَت لَهُم منَّا الحُسْنَى﴾، وإن الصَّوابَ (فيها) أنه (مبيَّنٌ مُخَصَّصٌ) لا منسوخٌ، (لأنه خبر).