الباحث القرآني

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: أَعْلَمَنا الله - تعالى - أنه أَذِنَ للمؤمنين في قتالِ الظَّالمين لهم من المشركين فَنَسَخَ بذلك المنعَ من القتالِ المذكورِ في البقرة وغيرها، وهذا يدُلُّ على أن الآيةَ أو السورةَ مدنيةٌ، إذ لا يجوزُ أن يَنْسَخَ مكيٌّ مدنياً. قال ابنُ عَبَّاس: هي أول آيةٍ نزلت في إباحة القتال المذكور. وقال ابنُ زيد: الآيةُ منسوخةٌ، نسخها: ﴿وذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِه﴾ [الأعراف: 180]. فهذا يَدُلُّ على أَنَّ السورةَ مكيةً نَسَخَها مكيٌّ، ولا يحسن أن تكون مدنية - على قول ابن زيد - لأن الناسخَ لِْلآيةِ عندَه مكيٌّ. وقد قيل: إن الآيةَ محكمةٌ، وهي تَهَدُّدٌ ووعيدٌ بمنزلة قوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: 3]، وقولِه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: 83]، فلا نسخَ في هذا على هذا التأويل. قال أبو محمد: وفي حمل قولِه تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، - على التهديد - بُعْد، إلا أن تحمله على أن يكون بمعنى المستقبل بمعنى على ﴿يُؤْذَن لهم بذلك﴾ فتحتمل التهديد والوعيد. وقد تقدم ذكر قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] - الآية - وليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ، إنما هي دالّة على جوازِ النَّسخِ لما ليس من القرآن مما يُلْقيه الشيطانُ على لسان النبي ﷺ.