الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذينَ مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ﴾ الآية: رُوِيَ عن ابن المسيِّب أنه قال: هي منسوخةٌ، ولم يذكر ما نَسَخَها. وسُئلَ ابنُ عباس عن هذه الآية فقال: لا يعملُ بها اليوم. وذلك أن القومَ كانوا لا سُتْرَةَ لهم ولا حجال، فربما دخل عليهم (الخدَمُ والولَدُ) وهم في حال جماعٍ، فأمرَ اللهُ - جلَّ ذكره - بالاستئذان في الأوقات المذكورةِ، ثم جاء اللهُ بالستر وبسط الرزق، فاتخذ الناسُ الأبوابَ والستورَ، فرأى الناسُ أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أُمروا به، وكذلك قال مالك إذ سُئِلَ عن الآية. قال أبو محمد: فعلى (هذا القول) يكونُ هذا مما نَزَل وفُرِضَ لعلَّةٍ فلما زالت تلك العلَّةُ زال الحكم، وبقي اللفظ متلوّاً كآخر سورة الممتحنة. وعن أبي قلابة أنه قال: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم﴾ [النور: 58] - الآية - وقوله: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]: إنما أمروا بهذا على طريق الحضِّ والنَّدب، وليس بواجبٍ [فرضٍ. وأكثرُ العلماء على أن الآيةَ محكمةٌ، وحكْمُها باق، والاستئذان في هذه الثلاثة الأوقات واجبٌ]. قال الشعبي: ليست هذه الآيةُ منسوخةً، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: ثلاثُ آياتٍ مِن كتابِ الله، لا أَرى أحداً من الناس يَعْمَلُ بِهِنّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذينَ مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ﴾ - الآية -، ﴿وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى﴾ - الآية -، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ - الآية -. - وقال مثلَ ذلك سعيدُ بنُ جبير، ويحيى بن يعمر -. وقدِ اخْتُلِفَ في قوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فقيل: ذلك في الإِماء، فأما العبيد فلا يدخلون في هذه الأوقاتِ ولا في غَيْرِها إلا بالاستِئْذان. وقال أكثرُ الناس بظاهر الآية بأن العبيدَ والإِماءَ يستأذنون في هذه الثلاث الأوقات خاصةً دون غيرِها. والقولُ الأَوَّلُ مرويٌ عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، وكِلا القولين يدل على أن الآية محكمةٌ غيرُ منسوخة.