الباحث القرآني

لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ . الآية. قال ابنُ زيد: مِنْ قولِه: ﴿وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية، منسوخٌ لأنهم كانوا في أَوَّلِ أَمرِهم ليس على أَبوابِهم أغلاقٌ، فَرُبَّما أتى الرَّجُلُ وهو جائعٌ فدخل البيتَ ولا أحدَ فيه، فَسَوَّغَ الله أن يأكلَ مما فيه، إلى أن صارت الأغلاقُ على البيوت، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يفتحَها ويأكلَ مما فيها، كأنه يريدُ أن ذلك منسوخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَموَالَكُم بَيْنَكُم بالبَاطِل﴾ [البقرة: 188]. والإِجماع على تحريم مالِ المسلم إلاَّ بإذنه. وقال ابنُ عباس: الآيةُ ناسخةٌ لِما أحدثَ المؤمنونَ عند نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأكُلُوا أموَالَكُم بَيْنَكُم بالبَاطِل﴾، فانتهوا عن أن يأكلَ أَحدٌ طعامَ أَحَدٍ فأنزلَ الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: 61] إلى ﴿أشتاتاً﴾ [النور: 61]، وقوله: ﴿أو مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَه﴾ [النور: 61]: هو الرجل يَتَوَكَّلُ على الرَّجُلِ على حائِطه أو جِنَانِه أو غَنَمِه، فللوكيل أَنْ يَأكُلَ من ثَمَرِ ذلك ولَبَنِه. وقد قال أبو عبيد: لا يأكلُ إلا بمشورة ربِّ المال، لأن الناس كانوا قد (توقفوا) عن الأكل بعد الإِذن، فأباح الله (لهم ذلك) بعد الإِذن. وقيل: الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه من التَّحَرُّجِ من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض. (وقائلُ هذا القول يجعلُ "على" بمعنى "في") أي: ليس في الأعمى حرجٌ أي: في الأكل معه. وقال أَكثَرُ أهل التأويل: الآية مُحْكَمةٌ، وذلك أَنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي - عليه السلام - إلى الجهاد وضعوا مفاتِحَهُم عند أهل العِلَّة والزِّمَانَةِ المتخلفين عن الجهاد لعذرهم، وعند أقربائهم، وكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا مما في [بيوتِهم إذا احتاجوا إلى ذلك، فكان الْمُتَخَلِّفون يتقونَ أن يأكلوا مما في] بيوتِ الغُيَّبِ، ويقولون: نخشى ألاّ تكونَ أنفُسُهُم بذلك طيِّبَةً، فأنزل الله - تعالى ذكرُه - هذه الآيةَ تُحِلُّ لهم ذلك. وهذا التفسير مرويٌ عن عائشةَ - رضيَ اللهُ عنها - وقاله ابن المسيّب أيضاً -. وقال ابنُ زيد: قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: 61]، إلى قوله: ﴿وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61]، مُحْكَمٌ نزل في الغزو، أي ليس عليهم ضيق في تَأَخُّرِهِم (عن الغزو)، للعذر الذي لهم. فـ ﴿عَلَى الأعْمَى﴾: خبر ليس - على هذا القول -، وإذا جعلت ذلك في إباحة الطعام لهم - على قول من تقدم ذكرُه - كان خبر ليس: ﴿أن تأكُلُوا﴾.