الباحث القرآني

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ
قولُه تعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرِبْ بِه وَلاَ تَحْنَثْ﴾: قال قومٌ: هذا الفعلُ (في) كَفَّارَةِ اليمين منسوخٌ بشريعة الإِسلام، (ولا يجزىء من حلفَ) أن يضربَ أحداً مائةَ ضربةٍ أن يضربه ضربةً واحدةً بمائةِ قضيبٍ (لأن البِرَّ) لا يكونُ إلاَّ بغاية (الأفعال وأتمها) والحنث: يقع بأقل الأفعال احتياطاً للدِّين واتباعاً لفِعْلِ السلف - رضي الله عنهم -، وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابهِ وعليه أَدِلَّةٌ مِن الكتاب والسُّنَّة، ليس هذا موضعَ ذكرِها. وقيل: هو حُكْمٌ خُصَّ به أَيّوبُ - عليه السلام - قاله مجاهد وغيرُه. وهذا مذهبُ مالكٍ وغيره من أهل المدينة. وجعله الشافعيُّ محكماً عامّاً معمولاً به - وهو قول عطاء - وأجاز في الرجل يحلف: ليضربنّ عبدَه عشرَ ضرَبات، أن يضربَه ضربةً واحدةً بعشرِ قضبان ويبرأ، جعلَ الآيةَ محكمةً غيرَ منسوخةٍ ولا مخصوصة. وهذا مذهب يَدلُّ على أن شريعةَ من (كان) قبلَنا لازمةٌ لنا حتى نُنقَل عنها بنص، وهذا مذهبٌ يتناقضُ لأَنَّ شرائعَ مَنْ كانَ قبلَنا مختلفةٌ في كثيرٍ مِن أَحكامِها ومن هيآتها وَرُتَبِها وأعدادِها وغيرِ ذلك من تحريمٍ وتحليلٍ بدلالة قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرْعةً ومنهاجاً﴾ [المائدة:48] وإذا كانت مختلفةً في التَّحْريم والتَّحْليل، فكيفَ نَقْدِرُ على (تحريم) شيءٍ وتحليلِه في حالٍ، وأيضاً فإذا كانت شرائعُ الأنبياء قبلَنا مختلفةً في العبادةِ والهيأة (والتَّحْريمِ والتَّحليل)، فبأيِّ شريعةٍ من شرائِعهم ندين، وما الذي يجبُ علينا منها، إذ لا نقدرُ على العَمَلِ بشرائعِهِم كُلِّها لاختلافِها، فأَما قولُه تعالى: ﴿فِبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام:90] فإنما ذلك في الإِيمان بالله ورُسُلِه وملائكتِه وكتبِه، وما لا يختلفون فيه مِن الدِّين فهو الذي يلزمُنا الاقتداءُ به من أمرهم، وهو المراد بذلك؛ إذ غير جائز أن يكون المراد بشرائعهم اقْتَدِه؛ إذ لا يُقْدَرُ على ذلك لاختلاف شرائعِهِم. فإن ادَّعى مُدَّعٍ أن هذا الذي بَرَّ به أَيُّوبُ يمينَه، إجماعٌ من شرائع الأنبياء، فيلزمُنا فِعْلُه، سُئِلَ عن الدَّليل على ذلك، ولا يَجدُ إليه سبيلاً أبداً. وقد تقدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ هذا وزدناه بياناً في هذا الموضع. ولهذه المعاني كتابٌ تذكر فيه مشروحةً مع نظائرِها من الأصول التي هي عُمْدَةُ الدِّين. وقد اختلاف في هذا أصحابُ مالك: فَمِنْهُم مَن قال: مذهبُهُ العملُ بشرائع مَنْ كانَ قبلَنا؛ إذ قد احْتَجَّ بقولِه تعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ - الآية -. ومِنْهُم مَنْ قال: ليس ذلك مَذْهَبَهُ؛ لأنه لم يُجِزْ فعلَ ما برَّ به أَيوبُ يمينه. وأكثرُ النَّاسِ على أَنَّ مِلَّةَ إبراهيمَ ﷺ لازمٌ لنا اتباعُها، لقوله: واتَّبِعوا ﴿مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ ﷺ. والذي عليه أكثرُ أَصحابِ مالك: أن ما نصَّ اللهُ علينا من شرائع مَنْ كانَ قبلَنا ولم ينسخْهُ قرآن ولا سُنَّةٌ، ولا افترضَ علينا ضدّه، فالعملُ به واجبٌ، نحو قوله: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ - الآية -. وقد اعْتُرِض على هذا القول بِقِصَّةِ أيوبٍ في تبرئةِ يمينه بِضَرْبَةٍ واحدةٍ فيها مائةُ قضيب، ولا يقولُ به مالك، واعْتُرِضَ بالأحكام التي في تزويجِ موسى إحدى المرأتين، ولا يقول بذلك مالكٌ وعن هذا كُلِّهِ أجوبةٌ يطولُ ذكرُها سنذكُرُها في غيرِ هذا الكتابِ - إن شاءَ الله -.