الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُم بَيْنَكُم بالبَاطِل﴾. أشار أبو عبيد إلى أن هذا منسوخٌ بقوله: ﴿ولاَ عَلَى أَنفُسِكُم أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61]. - الآية -. فأباحَ اللهُ لكَ أن تأكل من مال غيرِك من قريبٍ أو صديق، وروي مثلُه من طريق ابن عباس، وهو غير صحيح عنه. قلت: وهذا لا يجوز أن يُنْسَخ؛ لأنَّ أكل الأموال بالباطل لا يُنْسَخُ إلاَّ إلى جواز ذلك. وجوازُه لا يَحْسُنُ ولا يَحِلّ. (فأَمَّا) من أَكلْتَ مالَه بطيب نفسه من قريب أو صديق فهو جائز، وليس ذلك من أكل الأموال بالباطل في شيء. والآية - في النساء - وهي في النهي عن أكل مال غيرِك من غيرِ طيب نفسِه، فهو من أكل المال بالباطل. والآية - في النور -: هي في جواز أكل مال غيرك (عن طيب) نفسه، وذلك جائز. فالآيتان في حكمين مختلفين لا تنسخ إحداهما الأخرى، فلا مدخلَ لِذِكْرِهما في هذا الباب. وقد قيل: إن معنى الآية: لا تجحدوا أموالَ النَّاس فتأكلوها بالباطل. وهذا لا يجوز نسخه إلا بإباحته، (وإباحته) لا تجوز، وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿وتُدْلوا بها إلى الحكام﴾، فهذا يدل على الجحود للمال. وقد قيل: إنها لما نزلت تَحَرَّج الناسُ أن يأكُلَ بعضُهم عند بعض من أقاربه وغيرهم حتى نزلت آيةُ النور - إلى: "أو صَدِيقِكُم" فنَسَخَت ذلك.