الباحث القرآني

وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فقيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعْروف﴾: أباحت هذهِ الآيةُ في ظاهر نَصَّها للوصيِّ إذا كان فقيراً أن يأكلَ من مال يتيمه بالمعروف، وهي - عند ابن عباس - منسوخةٌ، بقوله تعالى: ﴿إنَّ الذِينَ يأكُلُونَ أَمْوالَ اليَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: 10] الآية. وقاله زيدُ بنُ أَسلم. وقيل نُسِخَتْ بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالبَاطِل﴾ [البقرة: 188]. وقال أهلُ العراق: لا يَأْكُلُ الوصِيُّ من مَالِ يتيمه شيئاً إلا أَن يسافرَ مِن أَجْلِه، فلَه أن يَتَقَوَّتَ مِن مالِه ولا يَقْتَني. وقالَ جماعةٌ من العُلماء: الآيةُ مُحْكَمةٌ غيرَ منسوخةٍ، ومعنى "بالمعروف": قَرْضاً يُؤَدِّيه إذا أَيْسَرَ. وقوله: ﴿فأَشْهِدُوا عَلَيْهِم﴾: قيل معناه فيها: فيما استقرضْتُم من أموالهم - وهذا القولُ مرويٌ عن عمر وابنِ عباس والشّعبي وابنِ جُبَيْر، وهو قولٌ مختارٌ حسن -. وقال أبو العالية: الآيةُ محكمةٌ، ومعنى: "بالمعروف": مِن الغَلَّةِ ولا يأكلُ مِن القاصر قَرْضاً ولا غيرَ قَرْض. وقال الحسنُ وقتادةُ والنَّخْعي: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعنى "بالمعروف": سَدُّ جَوْعَتِه إذا احتاج وليس عليه ردٌّ - وقاله عطاءُ وابنُ مسعودٍ وابنُ زيد -. و(عن) ابن عباسٍ في معنى الآية قال: معنى "بالمعروف": أنه يَقُوتُ نفسَه إذا احتاج، ولا يأكلُ من مال يتيمه. فهي عنده منسوخةٌ على قوله الأول. وقيل: معنى أَكل الوصِيِّ من مال اليتيم: إنما هو من التَّمر واللَّبَن، أُبيحَ له أكلُ ذلك لقيامه عليه. فكان ذلك أَجرُه له. وروى نافعُ بنُ أبي نعيم عن يحيى بن سعيد وربيعة أن ذلك في اليتيم ينفق عليه على قدر يُسْرِه وعُسْرِه. وليس للوصيِّ في هذا شيءٌ. فمعناه: مَن كان من اليتامى فقيراً فليأكُلْ - بالمعروف - على قدر مالِه ولا يسرفْ فينفدَ مالُه ويبقى فقيراً.