الباحث القرآني

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ الآيتان إلى قوله: ﴿لَشَهَادتُنَا أحقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾: أَوجبَ الله - جلّ ذكره - على الشاهديْن على الوصية القابضيْنِ لتركه الميت في السفر اليمينَ إن ارتبنا أنهما غابا على شيء من التركة وخانا، فإذا حلفا بعدَ الصلاة، ثم اطُّلِعَ على خيانة منهما في التركة، حلف وليَّان وارثان من أولياءِ الميت على ما يدَّعيان قِبَل الشاهدين، ويقولان في آخر يمينهما: ليميننا أحق من يمينهما، وهو قوله: ﴿لَشَهَادَتنا أحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ ثم يستحقان ما حلفا عليه. هذا معنى الحكم المتلوّ في الآيتين. ونُبَيِّنُ ذلك الاختلاف في معنى قوله: ﴿أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. فمن قال: معنى ﴿مِن غيرِكُمْ﴾: أي: من أهل الكتاب - وهو منسوخ بقوله: ﴿ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾، وبقوله: ﴿وأشهِدُوا ذَوَيْ عدلٍ مِنكُمْ﴾ - قال: هذه الأحكامُ كُلُّها منسوخةٌ بما نسخ به جوازُ شهادة أهل الكتاب - وهو قول زيدِ بن أسلم ومالك والشافعي وأبي حنيفة -. ومن قال: معنى من غيركم: من أهل الكتاب - وهو غير منسوخ، وشهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية خاصة جائزة للضرورة - قال: القصة كُلُّها مُحْكَمة معمول بها - وهو قول ابن عباس وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن جبير وابن المسيب وابن سيرين والشعبي والثوري وغيرهم -. ومن قال: معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم - من المؤمنين - قال: القصة كلها محكمةٌ معمول بها - وهو قول الزهري والحسن وعكرمة وأضافه بعض الناس إلى مالك والشافعي -. والصلاة - في هذه الآية -: صلاة العصر، ففي هذه القصة وأحكامها ثلاثة أقوال على ما فسَّرنا. وقد زاد النحاس فيها قول من قال: الشهادة في الآية بمعنى: الحضور. وقول من قال: الشهادة بمعنى: "اليمين"، ولا معنى يتحصل لهذين القولين.