الباحث القرآني

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُم، وطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾: أباح الله لنا أن نأكل طعامهم ونطعمهم طعامنا. وقد روي عن أبي الدّرداء وعبادة بن الصامت أنهما قالا: هذا ناسخٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسمُ اللهِ علَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] فأَحلَّ لنا بهذه الآية أكل ذبائح أهل الكتاب، وإن لم يذكروا اسمَ الله عليه. وقد قال جماعةٌ من (أهل العلم): آيةُ الأنعام محكمةٌ، وإذا ذبح أَهلُ الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليها لم تؤكل ذبيحتُهم، وإنما أحلَّ الله لنا أن نأكلَ ذبائحَهم إذا ذكروا اسمَ الله عليها، بدلالة قوله: ﴿ولاَ تأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذكرِ اسمُ اللهِ عَلَيْه﴾ [الأنعام: 121]. وقد قيل: إن آيةَ الأنعام مخصوصٌ حُكْمُها فيما ذُبِحَ للأصنام من ذبائح غير أهل الكتاب، وآيةُ المائدة في (إباحة أكل) ذبائح أهل الكتاب. فالآيتان على هذا في حكمين مختلفين مُحَكَميْن لا نسخَ في واحدٍ منهما. وقد قال عليٌّ وعائشةُ وابنُ عمر: إذا علم أن الكتابيَّ لم يَذْكُر اسمَ الله على ذبيحته لم تؤكل. فآية الأنعام على هذا محكمة غيرُ منسوخة عامَّة في كل ما ذبح ولم يذكر اسمُ الله عليه، كتابياً كان الذابح أو غير كتابي أو مُسْلِماً إذا تعمّد ترك التسمية - وهو ظاهرُ التلاوة - ومفهوم الخطاب. وكذلك ذبيحة المسلم إذا تعمد ترك التسمية لا تؤكل بظاهر الآية. وكان مالك يكره (أكلَ) ذبيحة الكتابي إذا لم يذكُر اسمَ الله عليها، ولا يُحَرِّمُه، وهذا يدل (من مذهبه) على أن آية الأنعام مخصوصة في غير أهل الكتاب. ولو كانت عنده عامة في أهل الكتاب وغيرهم لحرَّم أكل ذبيحة الكتابي إذا عُلِمَ أنه (لم يذكر) اسمَ الله عليها. وكره مالك أيضاً أكل (لحوم) ما ذبحوا لكنائسهم ولم يُحَرِّمْه، وكذلك إذا ذكروا عليه المسيح، وذلك منه لعموم التحليل في قوله: ﴿وطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فأَحلَّ طعامهم تحليلاً عاماً، وقد علم الله أنهم لا يَذْكُرونَ اسمَ الله على الذَّبائح. وقد أجاز ابنُ عباسٍ أَكْلَ ذبائح المجوس ونصارى تغلب؛ لقول النبي - عليه السلام -: "سنّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب". ومنع من ذلك عليُّ بنُ أبي طالب - رضي الله عنه - وغيرُه، (وتأَوَّلوا) الحديثَ في الجزية لا غير، وقد أُجمعَ على منع نكاح نسائهم، فقد خرجوا بذلك عن سُنَّةِ أهل الكتاب، فدلَّ ذلك على إخراجهم أَيضاً من سُنَّةِ أهل الكتاب في الذبائح، وإن الحديث إنما هو في الجزية خاصة، ولو كان عامّاً في سُنَّةِ أهل الكتاب لجاز نكاحُ نسائهم كأهل الكتاب ومنعُ ذلك إجماعٌ، وقد تقدم الكلام في حكم تحليل نكاح الكتابيات، وما قيل في ذلك.