الباحث القرآني

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
قوله تعالى: ﴿وآتَوا حَقَّه يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: قال ابن جبير: هي منسوخة بآية الزكاة - وهو قول عكرمة والضحاك -. قال الضحاك: نسخت الزكاةُ كُلَّ صدقة في القرآن. وعن ابن عباس: أنها منسوخةٌ بالسنّة في إيجاب العُشْر فيما سقت السماء، ونصف العشر في غير ذلك - وهو قولُ السُّدِّي وابنِ الحنفية -. وقال أنسُ بنُ مالك والحسنُ وابنُ المسيّب وجابرُ بن زيد، وعطاءُ وقتادةُ وزيدُ بنُ أَسلم: هي محكمة، والمراد بها: الزكاة - وهو قول مالك، (وهو أحد) قولي الشافعي -. وقد قال مالك: إن الزكاة والصَّوم فُرضا (في المدينة) فكيف يقول: إن قوله: ﴿وآتُوا حَقَّه يومَ حَصاده﴾، المرادُ بها الزكاة - رواه عنه ابن وهب وابن القاسم - والأنعام مَكِّيَّةٌ كُلُّها، فهذا قولٌ اللهُ أَعلمُ بحقيقته. وأكثر الناس على أن الزكاةَ فُرِضَت بالمدينة لا أَعرفُ في ذلك خلافاً. وقال سفيان: هي مُحْكَمةٌ، والمرادُ بها شيءٌ يُتْرَكُ للمساكين غير الزكاة - وهو قول مجاهد ومحمد بن كعب، وأبي عبيد -. وإجماع المسلمين أولاً على أن لا فرضَ غيرُ الزكاة يَرُدُّ هذا القول، وأيضاً فإن الفروضَ محدودةٌ وهذا غير محدود، ولا معلوم قدرُه عند أحد، فلا يجوز أن يكون فرضاً ما لا يُعْرَفُ قَدْرُه. فإن حَمَلْتَه على الزكاة حَسُنَ لأن النبي - عليه السلام - قَدْ بَيَّن قَدْرَ ما تجبُ فيه الزكاة، وقَدْرَ ما يلزمُ من الزكاة، فهو محكم إن حَمَلْتَه على الزكاة. وقد اعترض قومٌ في أن يُرادَ به الزكاةُ، وقالوا: الزكاة لا تجب وقت الحصاد، وإنما تجب بعد الكيل. وقالوا: الزكاة معلومةٌ محدودة، وهذا غيرُ محدود ولا معلوم. وقالوا: وقد قال: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إنَّه لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِين﴾ [الأنعام: 141]، والزكاة لا إسرافَ فيها. وقالوا: ظاهرُ الآية يَدُلُّ على أن الزكاةَ واجبةٌ في كل ما أخرجت الأرض، وعلى إخراجِ الزكاةِ مِن قليلهِ وكثيرِه. قال أبو محمد: وجميعُ هذا لا يلزم لأن النبيَّ - عليه السلام - قد بيَّن ذلك كله وحَدَّهُ، فالقرآن يأتي مجملاً، والنبيّ ﷺ يُبَيِّنُه، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّل إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وهذا أبلغ كتبيينه للصلاة والحج وغير ذلك. ومعنى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: 141]: ولا تَتَخَلَّفوا عن إخراج ما يجبُ عليكم، ومنعُ حَقِّ الله مِن أَعظم الإِسراف، وقد قيل: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾: مخاطبةٌ للسُّعاةِ في أن لا يأخذوا أكثرَ مما يَجِبُ لهم. فهذا كُلُّه يُبَيِّنُ أَنها محكمةٌ نزلت في فرض الزكاة مُجْمَلَةً، وبيّنها النبي عليه السلام، ويعارض كونَها في الزكاة قولُ أكثر الناس إِنَّ الزكاةَ فُرِضت بالمدينة - والأنعام: مكية - فيصيرُ فرضُ الزكاةِ نزل بمكة، والله أعلم بذلك.