الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
قولُه تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءكُمُ المؤمِنَاتُ مُهَاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال قوم: هذا ناسخٌ لما كان النّبيّ - عليه السلام - كَتَبَ للمشركين؛ إذْ هادنَهم على أَنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ إليه من عندهم مُسْلِماً، وكان النبيُّ - عليه السلام - فعلَ ذلك بالحديبية مع أَهل مكة؛ إذ صَدُّوه عن البيت، فعاقدَهُم على أن من جاء إليه مِن عندهم مُسْلِماً ردَّهُ إليهم، فلما ختمَ الكتاب (الذي فيه العهد) جاءته سبيعة بنتُ الحارث مُسْلِمَةً وجاء زوجُها وقال يا محمد: رُدَّها عليّ، فإن ذلك في شرطنا عليك، وهذه طينةُ كتابنا لم تَجِفّ، فنزلت: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّار﴾، فنسخ ما عقَدَ لهم، فلم يَرُدَّها إليه وأعطاه مهرَهُ الذي كانَ دفعَ إليها. وهذا وشبهُه يَدُلُّ على أن القرآنَ يَنْسَخُ السُّنَّةَ. (ثم نسخَ اللهُ هذا) الحكمَ في ردِّ المهر لأن السَّبَبَ الذي أَوجَبَه قد زال فَنُسِخَ بزوال العِلَّةِ فلا يُرَدُّ إليهم مهرٌ ولا غيرُه. ولا يجوزُ أن نهادِنَهُم على أن مَنْ جاء مِنْ عَندِهُم مُسْلِماً رَدَدْناه إليهم. وقد قال ابنُ الماجشون في الرسول يأتينا برسالةٍ من عندِ المشركين، وبيننا وبينهُم عهدٌ، فيُسْلِم، أنه لا يُرَدُّ إِليهِم لأَنَّهُم يقتُلونه. وعن ابن القاسم أنه يُرَدُّ إِليهِم. قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ [الممتحنة: 10]: قيل هو عامٌّ في كُلِّ كافرةٍ. لَكِنَّهُ مُخَصَّصٌ بإباحةِ إِمساكِ الكتابياتِ زوجاتٍ، فالآيةُ في الكوافر غيرِ الكتابيَّات. وقيل: هو منسوخٌ بإباحةِ إمساكِ الكتابيَّةِ زوجةً، فَنُسِخَ بقوله: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [المائدة: 5]، والأَوَّلُ أَولى وأَحسَن، فيكونُ الحكمُ فيمَن كانت له امرأةٌ بِمكَّةَ مِمَّن هاجرَ مُسْلِماً إلى المدينةِ وهي كافرةٌ بمكة فإنَّ العصمةَ منقطعةٌ بينهما، فإن كانت كتابيةً (فإن العصمةَ تبقى بينهما). قولُه تعالى: ﴿واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ، وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10]: هذا حكمٌ أَمَرَ الله [به المؤمنينَ] في وقتِ المهادنةِ، فلما زالت تلكَ المهادنةُ زال هذا الحكمُ وبقي رسمُه مَتْلُوَّاً، فهو منسوخٌ بزوالِ العِلَّة التي من أجلِها وجبَ الحكم.