الباحث القرآني

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
قولُه تعالى: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾ الآية: أَمر اللهُ المؤمنينَ أن يَدْفعوا لمن ذهَبَتْ زوجتُه من المسلمين إلى المشركين ما دفع إليها مِمَّا يغنمون من أموال الكفار، وهذا حُكْمٌ حَكَمَ به الله وأمر به في وقت المهادنة، فلما زالت زالَ الحُكْمُ وبَقِيَ الرَّسْمُ مَتْلُوَّاً منسوخاً حُكْمُه بزوال العِلَّة. ويجوزُ أن يكونَ منسوخاً بقوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شيءٍ فأَنَّ لِلِّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] - الآية - فبين ما يصنع في الغنيمة، ولا شيءَ فيها لمن ذهبت زوجتُه إلى الكفار، ولا يجوزُ اليومَ أن نهادِنَ المشركين على شيء من هذه الشروط، إنما هو السيفُ أو الإِيمانُ، أو الصُّلْحُ على غير شرطٍ لا يجوزُ في الدين. فأما الهدنةُ مع أهل الكتابِ والمجوسِ فجائزةٌ، لقوله ﷺ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهلِ الكتاب". وقد قيل إن قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5] ناسخٌ للهدنَةِ بيننا وبين مشركي العرب. ولمَّا قال في أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29]، جازت الهدنةُ بيننا وبينَهُم، وجَرَت المجوسُ مَجراهم بقول النبي ﷺ: "سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أَهلِ الكتاب". فَنَسَخَت آيةُ السَّيْفِ (إِعطاءَ المشركين) صَدُقاتِ مَنْ جاءنا من نسائهم مُسْلِمَةً، ونَسَخَ زوالَ زمانِ الهدنة وآيةُ الأنفال إعطاءَ المسلمين مهورَ نسائهم اللواتي رجَعْنَ إلى الكفار [من الغنيمةِ أو من الفيءِ، وهو قوله: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾] فعاقبتُم: أي أَصبتُم عُقْبى (بمعنى): غنيمة أو فيء، فآتوا الذينَ ذَهَبَتْ أزواجُهُم مِثْلَ ما أنفقوا. وقد قيل: إنَّ المحنةَ المذكورةَ في آخر السُّورَةِ منسوخةٌ أيضاً بِذَهابِ زمانِ الهدنة. وقيل: هيَ مُحْكَمَةٌ، وإذا (تباعدت) الدَّارُ واحتيج إلى المحنة كان ذلك إلى الإِمام. وقد قالَ ابنُ زيدٍ: نسَخَتْ هذه الأحكامَ التي في هذه السورة براءةُ إذ أَمَر اللهُ تعالى نبيَّه (أَنْ يَنْبذَ إلى) كل ذي عهد (عهدَه)، (ويُقْتَلوا حيثُ وُجدوا) (وقاله قتادةُ، وأُمِرَ بقتال) أهل الكتاب حتَّى يُعْطوا الجزيةَ (عن يدٍ) - الآية -.