الباحث القرآني

قولُه تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عِنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ الآية: قال قتادة: هي منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5]، فعمَّ جميعَهُم. وقيل: (هي منسوخةٌ بقوله) ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ﴾. (إلى) قوله تعالى: ﴿حَتَى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾. وقال ابن زيد: نَسَخَها قولُه: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ من حَادَّ اللهَ ورَسُولَه﴾ [المجادلة: 22] - الآية -. وقال مجاهد: هي محكمةٌ غَيْرُ منسوخةٍ، لَكِنَّها مخصوصةٌ يُرادُ بها الَّذين لَم يُقاتِلوا المؤمنين وآمنوا وأقاموا بمكَّةَ ولم يُهاجروا. وقال الحسنُ: هِيَ محكمةٌ غَيْرُ مخصوصةٍ نَزَلَت في قوم بينَهم وبين النبي ﷺ عهدٌ، وهم خُزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف: أمر الله المسلمين أَنْ يُوَفُّوا لهم بالعهد وأَنْ يَبَرُّوهم. وَمِمَّا يَدُلُّ على أنها مُحْكَمةٌ أَنَّ قولَه تعالى: ﴿اقْتُلوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ ليس بعامٍّ في كُلِّ مُشْرِكٍ لأَنَّ أهلَ الكتابِ مِنَ المشركين قبلَ أَن يُعْطوا الجزيةَ؛ إذ قد وصَفَهُم الله بصفات المشركين في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليَوْمِ الآخِرِ﴾[التوبة: 29] - الآية - فقال فيها: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [التوبة: 29]، وقال عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابنَ مَرْيَم﴾ [التوبة: 31]، أي واتخذوا المسيحَ بنَ مريم ربّاً ولا شركَ أَعظَم من اتخاذ رَبٍّ دون الله، فإذا كانت الآيةُ في قتل المشركين حيثُ وجدوا غيرَ عامّة جاز خروجُ هذه الآية منها أيضاً، فقوله: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5] مُخَصَّصٌ ومُبَيَّنٌ بقولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ في أهل الكتاب؛ إِذْ هُم من المشركين ومُخَصَّصٌ أيضاً ومُبَيَّنٌ بقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَن الذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ [الممتحنة: 8] - الآية - فهي إذاً محكمةٌ مخصوصةٌ في قوم آمنوا ولم يُهاجروا، أو في قوم لَهم عهدٌ على ما ذكرنا، وهي أيضاً مُخَصَّصَةٌ بآية براءة فهي غيرُ منسوخة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.