الباحث القرآني

وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
قولُه تعالى: ﴿والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ والمَحْرُوم﴾: وذكرنا قول مَن قال: إنَّه مَنْسوخٌ بالزَّكاة، ومَنْ قال: هو شيءٌ غيرُ الزَّكاةِ، وبيَّنا ذلك في "والذَّاريات". وذكر ابنُ حبيب أَنَّ قولَه تعالى: ﴿أأمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: 16]، إلى قوله: ﴿كَيْفَ نَذِير﴾ [الملك:17]، أنه منسوخ بقوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] - الآية - وذلكَ أَنه تَوَعَّدَهُم في الدنيا بذلك، ثم أخبر أنه أَخَّرَ عذابَهُم إلى الآخرة. قال أبو محمد: وهذا تَوَعُّدٌ مِنَ اللهِ لِلْكُفَّار وتَهَدُّدٌ، لا يجوزُ نَسْخُهُ إِلاَّ بِضِدِّه، ولا يجوزُ وُقوعُ ضِدِّه لمن تمادى على كُفْرِه، ولم يَقُلْ تعالى: إنه (يَخْسِفُ) بهم الأرض، ولا أنه يُرْسِل عليهم الحاصِبَ قولاً قطعاً وعزماً، إنما جاء على التهدُّدِ والوعيد، إن شاء فَعَلَه، وإن شاء لم يفعلْه، وهو مثل قوله: ﴿أَفأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُون﴾ [الأعراف: 97] ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] - الآيتين -، فهذا كُلُّه تَهَدُّدٌ ووعيد، إن شاءَ - تعالى - فَعَلَه وإنْ شاءَ أَخَّرَه، وليس هو بحَتْمٍ ولا عَزْمٍ لا بُدَّ مِنْ وقوعه في الدُّنْيا. فلا نَسْخَ (في هذا)، ولا يَحْسُنُ، ولا يجوز. وما عَلِمْتُ أَنَّ أحداً ذَكَرَ هذا غيرُ ابنِ حبيب.