الباحث القرآني

فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله تعالى: ﴿فإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُم فاقْتُلُوا المُشْرِكِين﴾ الآية: هذه الآيةُ محكمةٌ عند أكثر العماء ناسخةٌ لجميع ما أُمِرَ به المؤمنون من الصفح والعفو والغفران للمشركين، وقد ذكرنا ذلك. وعن الحسن: أنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَإِمَّا منَّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً﴾، وقال لا يحلّ قتل أسيرٍ صبراً - وهو قول الضحاك والسُّدِّي وعطاء -. وقال قتادةُ: هذه الآيةُ محكمةٌ ناسخةٌ لقوله: ﴿فإِمّا منَّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وقال: لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل، ولا يُمَنُّ عليهم ولا يفادى بهم. وقد روي عن مجاهد أنه قال: إما السَّيْفُ وإما الإِسلام في الأسارى. وقال ابنُ زيد: الآيتان محكمتان غيرُ منسوختين ومعنى آية براءة: أنه - تعالى ذِكرُه - أمر بقتل المشركين حيثُ وجدوا، ثم قال: ﴿وخذوهم﴾: يعني أسارى للقتل أو لِلْمَنِّ أو للفداء. والإِمام ينظر في أمور الأَسارى (في ما هو أَصلَحُ للمسلمين) من المنِّ أو القتلِ أو الفداء، وقد أتت الأخبارُ أن النبيَّ - عليه السلام - فعلَ هذا كُلَّه، فقتل من الأسارى النَّضْرَ بنَ الحارث وعقبة (بن أبي) معيط يومَ بدر، بعد أن أخذهما أسيرين، ومنَّ على قوم، وفادى قوماً. قال أبو محمد: وهذا أولى بالآية وأصحُ في معناها إن شاء الله. وقيل: الآيةُ مُخَصَّصةٌ بترك قتل أهل الكتاب إذا أَعطوا الجزيةَ لأنهم مشركون (بدَلالة) قوله: ﴿اتّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرباباً مِن دُونِ اللهِ والمسيحَ ابنَ مَرْيم﴾ [التوبة: 31]، أي اتخذوا المسيح ربّاً، ولا شركَ أعظم من اتّخاذ ربٍ من دون الله، وهي مُخَصَّصةٌ أيضاً بقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عن الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: 8] - الآية -. (وهذا على) قول من قال: (إن) الآيةَ نزلت في قوم من المشركين لم يقاتلوا المؤمنين، وهم: خزاعة، وبنو عبد الحارث بنُ عبد مناف كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد فأمر الله المؤمنين أن يُوفوا لهم بعهودهم - وهو قول الحسن - وسنذكر ذلك في موضعه - إن شاء الله -. وقد قال ابنُ حبيب: إن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] - الآية - منسوخٌ ومستثنى منها بقوله: ﴿فَإن تَابُوا وأقَامُوا الصَّلاَةَ وآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وقال بعد ذلك: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ [التوبة: 11]. قال أبو محمد: ولا يجوز في هذا نسخٌ؛ لأنها أحكامٌ لأصنافٍ من الكفار حَكَم الله على قومٍ بالقتل إذا أَقاموا على كُفْرِهم، وحكَم لقومٍ بأنهم إذا آمنوا وتابوا أَلاَّ يُعْرَضَ لَهم وأخبر بالرَّحمةِ والمغفرة لهم وحكم لمن استجار بالنبي - عليه السلام - وأَتاه أن يُجِيرَه ويُبْلِغَه إلى موضع يأْمَنُ فيه، فلا استثناء في هذا؛ إذ لا حرفَ (فيه) للاستثناء، ولا نسخ فيه، إنما كُلُّ آيةٍ في حُكْمٍ منفردٍ وفي صنفٍ غيرِ الصِّنْفِ الآخر، فَذِكْرُ النَّسخِ في هذا وَهْمٌ (وغَلَط) ظاهر، وعلينا أن نَتَبَيَّنَ الحقَّ والصَّواب.