الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ قرأت القراء بتشديد (لَمَّا) وتخفيفِها وتشديد إن وتخفيفها، فمنْ قال ﴿وَإنَّ كُلاَّ لَمَا﴾ جعل (ما) اسماً للناس كما قال ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ثم جَعَل اللام التى فيها جَواباً لإنّ، وجَعَل اللام الَّتى فى (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) لا ما دخلت عَلى نيّة يمين فيهَا: فيما بين ما وصلتها؛ كما تقول هذا مَن لَيذهبنَّ، وعندى ما لَغَيْرُهُ خير منه. ومثله ﴿وإنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ ليُبَطِّئَن﴾ وأَمّا مَنِ شدّد (لمّا) فإنه - والله أعلم - أَراد: لِمن ما لَيُوَفِّينَّهم، فلمّا اجتمعت ثلاث ميمَات حذَف واحدة فبقيت اثنتان فأدغمت فى صَاحبتها؛ كما قال الشاعر: وإنى لَمِمَّا أُصدر الأمرَ وَجْهَهُ * إذا هو اْعيا بالسبيل مصادرُه ثم يخفّف كما قرأ بعض القراء (وَالبَغْىِ يَعِظُكْمْ) بحذف الياء (عند الياء) أنشدنى الكسائىّ: وأَشمتَّ العُداة بنا فأضحَوا * لدَىَّ تَبَاشَرُونَ بما لِقينَا معناه (لدىَّ) يتباشرون فحذف لاجتماع الياءات ومثله: كأنّ مِن آخرهَا إلقادِمِ * مَخْرِمَ نجدٍ فارعَ المخارم أراد: إلى القادم فحذف اللام عند اللام. وأَمَّا مَن جعل (لَمَّا) بمنزلة إلاَّ فإنه وجه لا نعرفه وقد قالت العرب: بالله لَمَّا قمت عنا، وإلاَّ قمت عنا، فأمَّا فى الاستثناء فلم يقولوه فى شعر ولا غيره؛ أَلا ترى أنَّ ذلك لو جَاز لسمعتَ فى الكلام: ذهب الناسَ لَمّا زيدا. وأَمَّا الذين خفّفوا (إن) فإنهم نصبوا كلا بِ (لَيُوفَّينَّهم). وقالوا: كأنّا قلنا: وإنْ لَيوَفِّينَّهم كُلاَّ. وهو وجه لا أشتهيه. لأن اللام إنما يقع الفعل الذى بعدها عَلَى شىء قبله فلو رفعت كلّ لصلح ذلك كما يصلح أَن تقول: إنْ زيد لقائم ولا يصلح أن تقول: إنْ زيداً لأَضربُ لأن تأويلها كقولك: ما زيداً إلاّ أضرب فهذا خطأ فى إلاّ وفى اللام. وقرأ الزُهرىّ (وإنَّ كُلاًّ لَمًّا ليُوَفِّيَنَّهم) ينوّنها فجعل اللمّ شديداً كما قال ﴿وَتَأْكُلُون التُرَاثَ أَكْلاُ لَمّاً﴾ فيكون فى الكلام بمنزلة قولك: وانّ كلا حقّا ليوفينّهم، وإن كلا شديدا ليوفينّهم. وإذا عَجَّلت العرب باللام فى غير موضعها أعادوها إليه كقولك: إنَّ زيدا لإليك لمحسن، كان موقع اللام فى المحسن، فلمّا أدخلت فى إليك أُعيدت فى المحسن ومثله قول الشاعر: ولو أنَّ قومى لم يكونوا أعِزّة * لَبَعْدُ لقد لاقيتُ لا بدّ مَصْرعَا أَدخلها فى (بَعد) وليسَ بموضعها ومثله قول أبى الجرّاح: إنى لبحمد الله لصالح.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.