الباحث القرآني

وقوله: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ رفعَتَ الأراذل بالاتِّباع وقد وقع الفعل فى أوَّل الكلام على اسمه. ولا تكاد العرب تجعل المردود بإلاَّ إلا عَلَى المبتدأ لا على راجِع ذكره. وهو جائز. فمن البيّن الذى لا نظر فيه أن تقول: ما قام أحد إلاّ زيد. وإن قلت: ما أحد قام إلا زيد فرفعت زيداً بما عاد فى فعل أحد فهو قليل وهو جائز. وإنما بَعُد على المبتدأ لأنه كناية، والكناية لا يُفرق فيها بين أحدٍ وبين عبدالله، فلمَّا قبح أن تقول: ما قام هو إلاّ زيد، وحسن: ما قام أحد إلا زيد تبيَّن ذلك لأن أحداً كأنّه ليسَ فى الكلام فحسُن الردّ على الفعل. ولا يقال للمعرفة أو الكناية أَحد إذْ شاكل المعرفة كأنه ليس فى الكلام؛ ألا ترى أنك تقول ما مررت بأحد إلا بزيد (فكأنك قلت: ما مررت إلا بزيد) لأن أحداً لا يُتَصوّر فى الوهم أنه مَعْمود له. وقبيح أن تقول: ليس أحد مررت به إلاّ بزيد لأن الهاء لها صورة كصورة المعرفة، وأنت لا تقول: ما قمت إلا زيد فهذا وجه قبحه. كذلك قال: (ما نراك) ثم كأنه حذف (نراك) وقال: (ما اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا) فأبْن على هذا ما ورد عليك إن شاء الله. ﴿بَادِيَ ٱلرَّأْيِ﴾ لا تهمز (بادى) لأن المعنى فيما يظهر لنا [و] يبدوا. ولو قرأت (بادئ الرأى) فهمزت تريد أوّل الرأى لكان صوابا. انشدنى بعضهم: أضحى لخالى شبهى بادى بدى * وصار للفحل لسانى ويدى فلم يهمز ومثله مما تقوله العرب فى معنى ابدأ بهذا أوّل، ثم يقولون. ابدأ بهذا آثراً مّا وآثِر ذى أثِير (وأثير ذى أثير) وإثْرَ ذى أثير، وابدأ بهذا أوَّل ذاتِ يدين وأدْنَى دَنِىّ. وأنشدونا: فقالوا ما تريد فقلت ألهو * إلى الإصباح آثِر ذى أَثِير وقوله: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ مثل قوله ﴿يأيّها النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساَء﴾ لأنهم كذّبوا نوحاً وحده، وخرج على جهة الجمع، وقولِه ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجيبُوا لَكُمْ﴾ فلكم أريد بها النبىّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: ﴿فاعْلَمُوا﴾ ليست للنبى صلى الله عليه وسلم. إنما هى لكفّار مكّة ألا ترى أَنه قال ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِمونَ﴾.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.