الباحث القرآني

وقوله: ﴿سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ (قَالَ) نوح عليه السلام ﴿لاَعَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمرِ الله إلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ فمَنْ فى موضع نصب؛ لأن المعصوم خلاف للعاصم والمرحوم معصوم. فكأنه نصبه بمنزلة قوله ﴿مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتّباع الظَّنِّ﴾ ومَن اسْتجاز رفع الاتباع أو الرفعَ فى قوله: وبلدٍ ليس به أنيسُ * إلاَّ اليَعَافِيرُ وَإِلاَّ العِيسُ لم يَجُزله الرفع فى (مَن) لأن الذى قال: (إلاّ اليعافيرُ) جعل أنيس البَرّ اليعافِير والوحوش، وكذلك قوله ﴿إلاَّ اتِّبَاع الظَّنِّ﴾ يقول: علِمهم ظنّ وأنت لا يجوز لك فى وجه أن تقول: المعصوم عاصم. ولكن لو جَعلت العاصم فى تأويل معصوم كأنك قلت: لا معصوم اليوم من أمر الله لجاز رفع (مَن) ولا تنكرنّ أن يخرج المفعول على فاعل؛ ألا ترى قوله ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ فمعناه والله أعلم: مدفوق وقوله ﴿فىِ عِيِشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ معناها مرضيَّة، وقال الشاعر: دعِ المكارمَ لا ترحل لِبُغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى معناه المكسوّ. تستدلّ على ذلك أنك تقول: رضيتُ هذه المعيشةَ ولا تقول: رَضِيَتْ ودُفِق الماء ولا تقول: دَفَق، وتقول كُسِى العريان ولا تقول: كسا. ويقرأ (إلاّ من رُحِم) أيضاً. ولو قيل لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رُحِم كأنَّك قلت: لا يعصم اللهُ اليوم إلاّ من رُحِم ولم نسمع أحداً قرأ به.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.