الباحث القرآني

وقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ أى خرق شَغَاف قلبها وتقرأ (قَدْ شَعَفَهَا) بالعين وهو من قولك: شُعِف بها. كأنه ذَهَب بها كلّ مَذهب. والشَعَف: رءوس الجبال. وقوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ يقال: اتخذت لهنّ مجلساً. ويقال: إنّ مُتْكاً غير مهموز، فسمعت أنه الأُتْرُجُّ. وحدّثنى شيخ من ثقات أهل البصرة أنه قال: الزُّمَاوَرْدُ. وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ يقول: وخَدَشنها ولم يُبِنَّ أيديهن، مِنْ إعظامه، وذلك قوله: ﴿حَاشَ للَّهِ﴾ أَعظمته أن يكون بشراً، وقلن: هذا مَلَكٌ. وفى قراءة عبدالله (حَاشَا لِلّه) بالألف، وهو فى معنى مَعَاذ الله. وقوله: ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ نصبت (بَشراً) لأن الباء قد استُعملت فيه فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلمّا حذفوها أحبّوا أن يكون لها أثر فيما خَرَجت منه فنصبوا عَلَى ذلك؛ أَلاَ ترى أن كلّ ما فى القرآن أتى بالباء إلاَّ هذا، وقولَه: ﴿مَا هُنَّ أُمّهَاتِهِمْ﴾ وأما أهل نجد فيتكلّمون بالباء وغير الباء فإذا أسقطوها رفعوا. وهو أقوى الوجهين فى العربية. أنشدنى بعضهم: لَشتَّان ما أنوِى وينوِى بنو أبى * جَميعاً فما هذان مستويان تَمنَّوا لىَ الموتَ الذى يَشْعَب الفتى * وكلُّ فتىً والموتُ يلتقيانِ وأنشدونى: ركابُ حُسَيل أَشهرَ الصيف بُدْن * وناقةُ عَمْرو ما يُحَلُّ لها رَحلُ ويزعم حِسْلٌ أَنه فَرْع قومِهِ * وما أَنت فرع يا حُسيل ولا أصْلُ وقال الفرزدق: أَمَا نحن راءُو دارِها بعد هذه * يدَ الدهر إلا أنَّ يمرّ بها سَفْرُ وإذا قدّمت الفعل قبل الاسم رفعت الفعل واسمه فقلت: ما سامعٌ هذا وما قائم أخوك. وذلك أن الباء لم تستعمل ها هنا ولم تدخل؛ أَلا ترى أنه قبيح أن تقول: ما بقائم أخوك؛ لأنها إنما تقع فى المنفىِّ إذا سَبَق الاسم، فلمَّا لم يمكن فى (ما) ضمير الاسم قبح دخول الباء. وحسُن ذلك فى (ليس): أن تقول: ليس بقائم أخوك؛ لأنَّ (ليس) فعل يقبل المضمر، كقولك: لست ولسنا؛ ولم يمكن ذلك فى (ما). فإن قلت: فإنى أراه لا يمكن فى (لا) وقد أَدخلتِ العرب الباء فى الفعل التى تليها فقالوا: * لا بالْحَصُور ولا فِيها بسوَّارِ * قلت: إن (لا) أشبه بليس من (ما) ألا ترى أنك تقول: عبدالله لا قائم ولا قاعد، كما تقول: عبدالله ليس قاعداً ولا قائماً، ولا يجوز عبدالله ما قائم ولا قاعد فافترقتا ها هنا. ولو حملت الباء عَلَى (ما) إذا وليها الفعل تتوَهّم فيها مَا توهّمت فى (لا) لكان وجهاً، أنشدتنى امرأة من غَنِىّ: أَما واللهِ أن لو كنتَ حُرّاً * وما بالْحُرّ أنتَ ولا العَتِيقِ فأدخلتِ الباء فيما يلى (مَا) فإن ألقيتَها رفعت ولم يَقْوَ النصب لقلّة هذا. قال: وحدّثنا الفرّاء قال: وحدّثنى دِعامة بن رجاء التَّيْمىّ - وكان غرّا - عن أبى الْحُوَيرث الحنفىّ أنه قال: (ما هذا بِشِرًى) أى ما هذا بمشترىً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.