الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ قال ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ فجعل فيها لاماً كجواب اليمين وهى فى معنى شرط، مثلُه من الكلام أن تقول: والله لأضربنّك أو تُقِرَّ لى: فيكون معناه معنى حَتَّى أَو إلاّ، إلا أنها جاءت بحرف نَسَق. فمن العرب من يجعل الشرط مُتْبعاً للذى قبله، إن كانت فى الأول لام كان فى الثانى لام، وإن كان الأول منصوبا أو مجزوماً نَسَقوا عليه كقوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ ومن العرب من ينصب ما بعد أوْ ليُؤذن نصبُه بالانقطاع عمّا قبله. وقال الشاعر: لَتقعُدِنَّ مقعدَ القَصِىِّ * منِّىَ ذى القاذُورة المَقْلِىّ أَو تحلفى بربّك العلىِّ * أنيِّ أبو ذيَّالِكِ الصبىّ فنصب (تحلفى) لأنه أراد: أن تحلفى. ولو قال أو لتحلفِنّ كان صوابا ومثله قول امرئ القيس: بكى صاحبى لَمَّا رأى الدرب دونه * وأيقن أنّا لاحقان بقَيْصَرا فقلت له لا تبك عَيْنُك إنّما * نحاولُ مُلْكا أَو نموتَ فنُعذرا فنصب آخره ورفع (نحاول) على معنى إلاّ أو حتى. وفى إحدى القراءتين: ﴿تَقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُوا﴾ والمعنى - والله أعلم - تقاتلونهم حتى يُسلموا. وقال الشاعر: لا أستطيع نُزوعاً عن مودّتها * أوْ يصنعَ الحبُّ بى غير الذى صَنَعَا وأنت قائل فى الكلام: لست لأبى إن لم أقتلك أو تسبقْنَى فى الأرض فتنصب (تسبقنى) وتجزمها. كأنّ الجزم فى جوازه: لستُ لأبى إن لم يَكن أحدُ هذين، والنصب عَلَى أَنّ آخره منقطِع عن أوَّله؛ كما قالوا: لا يسعُنى شىء وَيضيقَ عنك، فلم يَصْلح أن تردّ (لا) على (ويضيق) فعُلم أَنها منقطِعة من معناها. كذلك قول العرب: لو تُرِكْتَ وَالأَسَدَ لأكلك لمَّا جاءت الواو ترُدُّ اسماً على اسم قبله، وقبح أن تردّ الفعل الذى رَفَع الأوّل على الثانى نصب؛ أَلا ترى أنك لا تقول لو تُركت وتُرك الأسدُ لأكلك. فمِن هَا هنا أتاه النصب. وجَاز الرفع لأن الواو حرف نَسَق معروف فجاز فيه الوجهان للعِلَّتين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.