الباحث القرآني

وقوله: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ أضاف المَثَل إليهم ثم قال ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ﴾ والمَثَل للأعمال والعرب تفعل ذلك: قال الله عزّ وجلّ ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ والمعنى تَرى وجوهَهم مسودّة. وذلك عربىّ لأنهم يجدون المعنى فى آخِر الكلمة فلا يبالونَ ما وقع على الاسم المبتدأ. وفيه أن تكُرَّ ما وقع على الاسم المبتدأ عَلى الثانى كقوله ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً﴾ فأعِيدت اللام فى البيوت لأنها التى تراد بالسقف ولو خفضت ولم تظهر اللام كان صَواباً كما قال الله عز وجل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فيه﴾. فلو خَفَض قارئ الأعمال فقال (أعمالِهمْ كَرَمَادٍ) كان جائزاً ولم أسمعه فى القراءة. وقد أنشدنى بعضهم: ما للجِمَالِ مَشْيِها وئيداً * أجندلاً يحملن أَم حديدَا أراد ما للجمال ما لمشيها وئيداً. وقال الآخر: ذرِينى إن أمركِ لن يطاعَا * وما ألفيتنِى حِلِمى مُضَاعَا فالحلم منصوب بالإلقاء على التكرير ولو رفعته كان صَوابا. وقال ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ فجعل العصوف تابعاً لليوم فى إعرابه، وإنما العصُوف للريح. وذلك جائز على جهتين، إحداهما أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم يوصف به؛ لأن الريح فيه تكون، فجاز أن تقول يوم عَاصف كما تقول: يوم بارد ويوم حارّ. وقد أنشدنى بعضهم: * يومين غيمين ويوماً شمساً * فوصف اليومين بالغيمين وإنما يكون الغيم فيهما. والوجه الآخر أن يريد فى يوم عَاصِفِ الريح فتحذف الريح لأنها قد ذكرت فى أوّل الكلمة كما قال الشاعر: فيضحكُ عرفانَ الدروع جلودُنا * إذا جاء يوم مظلمُ الشمس كاسفُ يريد كاسف الشمس فهذان وجهان. وإن نويت أن تجعل (عاصف) من نعت الريح خاصّةً فلمّا جاء بعد اليوم أتبعته إعراب اليوم وذلك من كلام العرب أن يُتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه. قال الشاعر: كأَنَّما ضربت قدّام أعينِها * قُطْنا بمستحصِد الأوتار محلوج وقال الآخر: تريك سُنَّة وجه غيرِ مُقرفَةٍ * مَلْسَاء ليس بها خال وَلاَ نَدَبُ قال: سمعت الفراء قال: قلت لأبى ثَرْوان وقد أنشدنى هذا البيت بخفضٍ: كَيف تقول: تُريك سُنَّة وجه غيرَ مقرفة؟ قال: تريك سنّة وجه غَيْرَ مقرفة. قلت له: فأنشِد فخفض (غير) فَأعدت القول عَليه فقال: الذى تقول أنت أجود ممّا أقول أنا وكانَ إنشاده على الخفض. وقال آخر: وإيَّاكم وحَيَّة بطنِ وادٍ * هَمُوزِ الناب ليسَ لكم بِسِىّ ومِمّا يرويه نحويُّونا الأوَّلون أن العرب تقول: هذا جُحْرُ ضَبّ خَرِبٍ. والوجه أن يقول: سُنَّةَ وجه غيْرَ مقرقة، وحَيَّةَ بطنِ واد هموزَ الناب، وهذا جُحْرٍ ضبّ خرِبٌ. وقد ذُكر عن يحيى بن وثَّاب أنه قرأ ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّة المَتِينِ﴾ فخفض المتين وبه أخَذ الأعمش. والوجه أن يرفع (المتين) أنشدنى أبو الجَرّاح العُقَيلىّ: يا صاحِ بَلِّغ ذَوِى الزوجَات كُلِّهم * أن ليس وصلٌ إذا انحلّت عُرَا الذَنْب فأتبع (كلّ) خفض (الزوجات) وهو منصوب لأنه نعت لذوى.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.