الباحث القرآني

وقوله: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أى الياءُ منصوبة؛ لأن الياء من المتكلّم تسكن إذا تحرك مَا قبلها وتُنصب إرادة الهاء كما قرئ ﴿لكم دينكم ولىَ دين﴾ (ولِى دين) فنصبت وجُزمت. فإذا سَكن ما قبلها رُدّت إلى الفتح الذى كان لها. والياء من (مُصْرِخِىّ) سَاكنة والياء بعدها من المتكلم سَاكنة فحرِّكت إلى حَركة قد كانت لها. فهذا مطَّرِد فى الكلام. ومثله ﴿يَا بَنِىَّ إِنَّ اللّهْ﴾ ومثله ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ﴾ ومثله ﴿مَحْيَاىَ وممَاتى﴾. وقد خفض الياء من قوله ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ الأعمش ويحيى بن وثَّاب جميعاً. حَدَّثنى القاسم بن مَعْن عن الأعمش عن يحيى أنه خفض الياء. قال الفراء: ولعلها من وَهْم القُرَّاء طبقة يحيى فإنه قل من سَلم منهم من الوَهْم. ولعله ظَن أن الباء فى (بمصرخىّ) خافضة للحرف كله، والياء من المتكلّم خارجة من ذلك. ومما نرى أنهم أوهمُوا فيه قوله ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ظنُّوا - والله أعلم - أن الجزم فى الهَاء؛ والهاءُ فى موضع نصب، وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه. وممّا أوهموا فيه قوله ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشيَاطِينُ﴾ وحدَّث مندل بن علىّ العَنَزِىّ عن الأعمش قالَ: كنت عند إبراهيم النَخَعىّ وطَلْحةُ بن مُصَرِّف [يقرأ] ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعْونَ﴾ بنصب اللام من (حوله) فقال إبراهيم: ما تزال تأتينا بحرف أشنع، إنما هى ﴿لِمَنْ حَوْلِه﴾ قال قلت: لاَ، إِنما هى (حَولَه) قال: فقال إِبراهيم ياطلحة كيف تقول؟ قال: كما قلتَ (لمن حَوْلِهِ) قال الأعمش. قلت: لحنتما لا أجالسكما اليوم. وقد سمعت بعض العرب يُنشد: قال لها هل لك يا تافِيِّ * قالت له مَا أنتَ بالمرضِىّ فخفض الياء من (فىّ) فإن يك ذلك صَحيحاً فهو مما يلتقى من الساكنين فيُخفض الآخِر منهما، وإن كان له أصْل فى الفتح: ألا ترى أنهم يقولون: لم أره مُذُ اليوم ومُذِ اليوم والرفع فى الذالِ هو الوجه؛ لأنه أصل حركة مُذ والخفض جائز، فكذلك الياء من مصرخىّ خُفضت ولها أصل فى النصب. وقوله ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ﴾ هذا قول إبليس. قال لهم: إنى كنت كفرت بما أشركتمون يعنى بالله عز وجَل (مِنْ قَبْل) فجعل (مَا) فى مذهب مَا يؤدّى عن الاسم 89 ب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.