الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ﴾ فقال: (مِن دابة) لأن (ما) وإن كانت قد تكون على مذهب (الذى) فإنها غير مؤقّتة، وإِذا أُبهمت غير موقّتة أشبهت الجزاء. والجزاء تدْخل (مِن) فيما جاء من اسم بعده من النكرة. فيقال: مَن ضربه من رجُل فاضربوه. ولا تسقط من فى هذا الموضع. وهو كثير فى كتاب الله عزَّ وجلَّ. قال الله تبارك وتعالى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ وقال ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وقال ﴿أَوَلم يَرَوْا إلى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شىء﴾ ولم يقل فى شىء منه بطرح (مِنْ) كراهِيَة أن تُشبه أن تكون حالا لَمن وَمَا، فجعلوه بمِن ليدلّ عَلَى أنه تفسير لما ومَن لأنهما غير مؤقّتتين، فكان دخول (مِن) فيما بعدهما تفسيراً لمعْناهما، وكان دخول (مِن) أدلَّ عَلَى ما لم يوقّت مِنْ مَن وما، فلذلك لم تُلْقَيَا. ومثله قول الشاعر: حاز لك الله ما آتاك من حَسَنٍ * وَحيثما يقضِ أمراً صَالحاً تكُنِ وقال آخر. عُمْرا حَييت ومَن يشناكَ من أحد * يَلْق الهوان ويلق الذلّ والغِيَرا فدلّ مجىء أحدِهَا هنا على أنه لم يُرد أن يكون مَا جاء ن النكرات حَالا للأسماء التى قبلها، ودلَّ عَلَى أنه مترجم عن معنى مَن ومَا. ومِمّا يدلُّ أيضاً قول الله عزَّ وجلّ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَىءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ لأن الشىء لا يكون حَالاً، ولكنه اسم مترجم. وإنما ذكرْت هذا لأن العرب تقول: لله دَرُّه مِن رجل، ثم يُلقونَ (مِن) فيقولون لله دَرّه. رجلاً. فالرجل مترجم (لما قبله) وليس بحال، إنّما الحال التى تَنتقل؛ مثل القيام والقعود، ولم تُرد لله دَرّه فى حال رجوليَّته فقط، ولو أردت ذلك لم تمدحه كلّ المدح؛ لأنك إذا قلت: لله دَرّكَ قائماً، فإنما تمدحه فى القيام وحده. فإن قلت: فكَيف جَاز سقوط مِن فى هَذَا الموضع؟ قلت مِن قِبَل أن الذى قبله مؤقت فلَمْ أُبَلْ أن يخرج بطرح من كالحال، وكان فى الجزاء غير موقت فكرهُوا أن تفسَّر حَال عن اسْم غير موقّت فألزموها مِن. فإن قلت: 95 ب قد قالت العرب: ما أتانى مِن أحدٍ وما أَتانى أحد فاستجازوا إلقاء مِن. قلت: جاز ذلك إذْ لم يكن قَبْل أحد وما أتى مثله شىء يكون الأَحد له حالا فلذلك قالوا: ما جاءنى من رجل وما جاءنى رجل.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.