الباحث القرآني

وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ لو ألقيت (منْ) الأساور كانت نصباً. ولو ألقيت (منْ) منَ الذهب جاز نصبه على بعض القبح، لأن الأساور ليس بمعلوم عددها، وإنما يحسن النصب فى المفسّر إذا كان معروف العدد، كقولك: عندى جُبَّتان خَزّا، وأسواران ذهباً، وثلاثة أساور ذهبا. فإذا قلت: عندى أساور ذهباً فلم تبيّن عددها كان بمن، لأن المفسِّر ينبغى لما قبله أن يكون معروف المقدار. ومثله قول الله تبارك وتعَالى ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السماءِ مِنْ جِبَالٍ فِيها مِنْ بَرَد﴾ المعنى: فيها جبال بَرَد، فدخلت (من) لأن الجبال غير معدودة في اللفظ. ولكنه يجوز كأنك تريد بالجبال والأساور الكثيرة، كقول القائل: ما عنده إلا خاتمان ذهباً قلت أنت: عنده خواتِم ذهباً لمَّا أن كان ردَّا على شىء معلوم العدد فأنزِل الأَساور والجبال من بَرَد على هذا المذهب. فأمّا (يُحَلّون) فلو قال قائل: يَحْلَون لجاز، لأن العرب تقول: امرأة حالية، وقد حلِيت فهى تحلَى إِذا لبِست الحُلِىَّ فهى تحلَى حُلِيّاً وحلْياً. وقوله ﴿نِعْمَ ٱلثَّوَابُ﴾ ولم يقل: نعمت الثواب، وقال ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ فأنَّث الفعل على معنىالجنَّة ولوذكَّر بتذكير المرتفق كان صوابا، كما قال ﴿وبِئْسَ المِهَادُ﴾ ﴿وَبِئْسَ القَرَارُ﴾ ﴿وبئس المَصِيرُ﴾ وكما قال ﴿بئْسَ لِلظالِمينَ بَدَلاً﴾ يريد إبليس وذُرِّيتّه، ولم يقل بئسوا. وقد يكون (بئس) لإبليس وحده أيضاً. والعرب توحّد نعم وبئس وإن كانتا بعد الأَسماء فيقولون: أَمّا قومُك فنِعْمُوا قوماً، ونعم قوماً، وكذلك بئس. وإنما جاز توحيدها لأَنهما ليستا بفعل يُلتمَس معناه، إنما أدخلوهما لتدلاّ على المدح والذمّ، ألا ترى أن لفظهما لفظ فَعَل وليس معناهما كذلك، وأنه لا يقال منهما يبأس الرجل زيد، ولا ينعم الرجل أخوك، فلذلكَ استجازوا الجمع والتوحيد فى الفعل. ونظيرهما ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ وفى قراءة عبدالله (عَسَوْا أَنْ يَكُونوا خـَيْراً مِنْهُمْ) ألا ترى أنك لا تقول، هو يَعْسِى كما لم تقل يَبْأَس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.