الباحث القرآني

وقوله: ﴿كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ ولم يقل: آتتا. وذلك أن (كلتا) ثنتان لا يُفرد واحدتهما، وأصله كُلّ كما تقول للثلاثة: كلّ: فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع، لا أن يفرد للواحدة شىء فجاز توحيده 104 ب على مذهب كلّ. وتأنيثُه جائز للتأنيث الذى ظهر فى كِلْتا. وكذلك فافعل بكلتا وكِلاَ وكُلّ إذا أضفتهنّ إلى مَعرفة وجاء الفعل بعدهن، فاجمع ووحِّد. من التوحيد قوله ﴿وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً﴾ ومن الجمع ﴿وكُلٌّ أَتَوهُ دَاخِرِين﴾ و (آتوه) مثله. وهو كثير فى القرآن وَسائر الكلام. قال الشاعر: وكلتاهما قد خُطّ لى فى صَحيفتى * فلا العَيْشُ أهواه ولا الموت أرْوح وقد تفرِد العرب إحدى كلتا وهم يذهبون بإفرادهَا إلى اثنتيها، أنشدنى بعضهم. فى كِلت رجليهَا سُلاَمَى واحده * كلتاهما مقرونة بزائده يريد بكلت كلتا. والعرب تفعَل ذلك أيضاً فى (أىّ) فيؤنثونَ ويذكِّرونَ، والمعنى التأنيث، من ذلكَ قول الله تبارك وتعالىَ ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ويجوز فى الكلام بأيَّة أرض. ومثله ﴿فى أَىِّ صُورة﴾ يجوز فى الكلام فى أيَّة صورة. وقال الشاعر: بأىّ بلاء أمْ بأيَّة نعمة * يقدَّم قبلى مُسلم والمُهَلَّب ويجوز أيّتهُما قال ذاك. وقالت ذاكَ أجود. فتذكّر وقد أدخلت الهاء، تتوهّم أنّ الهاء سَاقطة إذا جاز للتأنيث ﴿بأىّ أرضٍ تَمُوتُ﴾ وكذلك يجوز أن تقول للاثنتين: كلاهما وكلتاهما قال الشاعر: كلا عقِبيه قد تشعّبَ رَأسُهَا * من الضرب فى جَنْبَىْ ثَفَالٍ مباشر الثفال: البعير البطىء. فإن قال قائل: إنما استجزتَ توحيد (كلتا) لأن الواحد منهما لا يُفرد فهل تجيز: الاثنتان قام وتوحّد، وَالاثنان قام إذْ لم يفرَد له واحد؟ قلت: إن الاثنين بُنيا على واحد ولم يُبن (كِلاَ) على واحد، ألا ترى أن قولك: قام عبدُالله كلُّه خطأ، وأنك تجد معنى الاثنين على واحد كمعنى الثلاثة وزيادات العدد، ولا يجوز إلا أن تقول: الاثنان قاما والاثنتان قامَتَا. وهى فى قراءة عبدالله. * كُلّ الجنتين آتى أُكُله * ومعناه كلّ شىء من ثمر الجنتين آتى أكله. ولو أراد جمع الثنتين ولم يرد كل الثمر لم يجز إلاَّ كلتاهما، ألا تَرَى أنك لا تقول: قامت المرأتان كلهما، لأن (كل) لا تصلح لإحدى المرأتين وتصلح لإحدى الجنَّتين. فقِس عَلى هَاتين كل ما يتبعِّض مما يقسم أوْ لا يُقسْم. وقوله ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ يقال: كيف جَاز التَّشديد وإنما النهر واحد؟ قلت: لأن النهر يمتدّ حتى صار التفجر كأنه فيه كلّه فالتخفيف فيه والتثقيل جائزان. ومثله ﴿حتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ يثقّل ويخفّف.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.