الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ (كما تقول فى ملك سليمان). تصلح "فى" و "على" فى مثل هذا الموضع؛ تقول: أتيته فى عهد سليمان وعلى عهده سواء. وقوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ الفرّاء يقرءون "الملَكَين" من الملائِكة. وكان ابن عباس يقول: "الملِكين" من الملوك. وقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ أما السِّحْر فمن عمل الشياطين، فيتعلمون من الملكين كلاما إذا قيل أُخِّذَ به الرجلُ عن امرأته. ثم قال: ومن قول الملكين إذا تُعلِّم منهما ذلك: لا تكفر. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ، فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ ليست بجواب لقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ إنما هى مردودة على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ فيتعَلَّمُون ما يضرهم ولا ينفعهم؛ فهذا وجه. ويكون "فَيَتعلَّمُونَ" متصلة بقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فيأْبَوْن فَيتَعلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ، وكأنه أجود الوجهين فى العربية. والله أعلم. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾ ﴿مَنْ﴾ فى موضع رفع وهى جزاء؛ لأن العرب إذا أحدثت علىالجزاء هذه اللام صيّروا فعله على جهة فَعل. ولا يكادون يجعلونه على يَفْعل كراهة أن يحدث على الجزاء حادث وهو مجزوم؛ ألا ترى أنهم يقولون: سل عمّا شئت، وتقول: لا آتيك ما عشت، ولا يقولون ما تعش؛ لأن "ما" فى تأويل جزاءٍ وقد وقع ما قبلها عليها، فصرفوا الفعل إلى فَعل؛ لأن الحزم لا يستبين فى فَعل، فصيّروا حدوث اللام - وإن كانت لا تُعرِّب شيئا - كالذى يُعَرِّب، ثم صيّروا جواب الجزاء بما تُلْقى به اليمين - يريد تستقبل به - إمّا بلامٍ، وإما بـ "لا" وإما بـ "إنّ" وإمّا بـ "ما" فتقول فى "ما": لئن أتيتنى ما ذلك لك بضائع، وفى "إِنّ": لئن أتيتنى إنّ ذلك لمشكور لك - قال الفراء: لا يكتب لئن إلا بالياء ليفرق بينها وبين لأن - وفى "لا": "لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ" وفى اللام ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ﴾ وإنما صيّروا جواب الجزاء كجواب اليمين لأن اللام التى دخلت فى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾ وفى قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ وفى قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ إنما هى لام اليمين؛ كان موضعها فى آخر الكلام، فلمّا صارت فى أوله صارت كاليمين، فلُقيت بما يُلْقَى به اليمين، وإن أظهرت الفعل بعدها على يفعل جاز ذلك وجزمته؛ فقلت: لئن تقم لا يقم إليك، وقال الشاعر: لَئِنْ تَكُ قد ضاقتْ عليكم بُيوتُكُمْ * لَيَعْلَمُ ربِّى أنّ بَيْتِى واسِعُ وأنشدنى بعضُ بنى عُقَيل: لئِن كان ما حُدِّثْتَهُ اليومَ صادِقاً * أَصُمْ فى نهارِ الْقَيْظِ لِلشَّمسِ بادِيَا وأَرْكَبْ حِماراً بين سَرْجٍ وفَرْوَةٍ * وأُعْرِ مِن الخاتامِ صُغْرَى شِمالِيَا فألقى جواب اليمين من الفعل، وكان الوجه فى الكلام أن يقول: لئن كان كذا لآتينك، وتوهم إلغاء اللام كما قال الاخر: فَلاَ يَدْعُنِى قَوْمِى صَرِيحاً لُحِرَّةٍ * لئنْ كُنتُ مقتولاً ويَسْلَمُ عامِرُ فاللام فى "لئن" ملغاة، ولكنها كثرت فى الكلام حتى صارت بمنزلة " إِنْ"، ألا ترى أن الشاعر قد قال: فَلئِنْ قومٌ أصابُوا غِرَّةً * وأَصَبْنا من زمانٍ رَقَقَا لَلَقدْ كانوا لَدَى أزمانِنَا * لِصَنِيعين لِبَأْسٍ وتُقَى فأدخل على "لَقَد" لاما أخرى لكثرة ما تلزم العرب اللام فى "لَقَد" حتى صارت كأنها منها. وأنشدنى بعض بنى أسد: لَدَدْتُهُمُ النَّصِيحةَ كلَّ لَدٍّ * فَمَجُّوا النُّصْح ثم ثَنَوْا فقَاءُوا فَلاَ واللّهِ لا يُلْفَى لِمَا بِى * ولا لِلِمَا بِهِم أبداً دَواءُ ومثله قول الشاعر: كَمَا ما امرؤٌ فى مَعْشَرٍ غيرِ رَهْطِهِ * ضَعيفُ الكلامِ شَخْصُهُ مُتضائِلُ قال: "كما" ثم زاد معها "ما" أخرى لكثرة "كما" فى الكلام فصارت كأنها منها. وقال الأعشى: لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عن غِبِّ مَعْرَكةٍ * لا تُلْفِنَا مِن دِماءِ القومِ نَنْتَفِلُ فجزم "لا تلفِنا" والوجه الرفع كما قال الله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ولكنه لمَّا جاء بعد حرفٍ يُنْوى به الجزمُ صُيِّر جزما جوابا للمجزوم وهو فى معنى رفع. وأنشدنى القاسم بن مَعْنٍ (عن العرب): حَلَفْتُ له إِنْ تُدْلِجِ اللَّيْلَ لا يَزَلْ * أَمَامكَ بيتٌ مِنْ بُيوتِى سائِرُ والمعنى حلفت له لا يزال أمامك بيتٌ، فلما جاء بعد المجزوم صُيِّر جوابا للجزم. ومثله فىالعربية: آتيك كى (إن تُحدّثْنى بحديث أَسمعْه منك، فلما جاء بعد المجزوم جزم).
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.