الباحث القرآني

وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ﴾ نَصْب لوقوع "حرّم" عليها. وذلك أن قولك "إنّا" على وجهين: أحدهما أن تجعل "إنّما" حرفا واحدا، ثم تُعْمِل الأفعالَ التى تكون بعدها [فى] الأسماء، فإن كانت رافعة رفعت، وإن كانت ناصبة نصبت؛ فقلت: إنما دخلت دارَك، وإنما أعجبتنى دارُك، وإنّما مالى مالُك. فهذا حرف واحد. وأمّا الوجه الآخَر فأن بجعل "ما" منفصِلة من (إنّ) فيكون "ما" على معنى الذى، فإذا كانت كذلك وَصَلْتَها بما يوصل به الذى، ثم يرفع الاسم الذى يأتى بعد الصلة؛ كقولك إنّ ما أخذت مالُكَ، إِن ما ركبت دابَّتُك. تريد: إن الذى ركبت دابتُك، وإن الذى أخذت مالك. فأجْرِهما على هذا. وهو فى التنزيل فى غير ما موضع؛ من ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الل‍ّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ﴿إِنَّمَا أَنْت نَذِيرٌ﴾ فهذه حرف واحد، هى وإنَّ، لأن "الذى" لا تَحسُن فى موضع "ما". وأمّا التى فى مذهب (الذى) فقوله: ﴿إنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ معناه: إِن الذى صنعوا كيدُ ساحرٍ. ولو قرأ قارِئ "إِنما صنعوا كيدَ ساحِرٍ" نصبا كان صوابا إذا جعل إنَّ وما حرفا واحدا. وقوله ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ قد نصب المودّة قوم، ورفعها آخَرون علىالوجهين اللذين فسَّرت لك. وفى قراءة عبدالله "إنما مودَّةُ بَيْنِكُمْ فِى الحياةِ الدنيا" فهذه حجَّة لمن رفع المودّة؛ لأنها مستأنفة لم يوقع الاتّخاذ عليها، فهو بمنزلة قولك: إن الذى صنعتموه ليس بنافع، مودّة بينكم ثم تنقطع بعد. فإن شئت رفعت المودّة بـ "بين"؛ وإن شئت أضمرت لها اسما قبلها يرفعها؛ كقوله "سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا" وكقوله ﴿لم يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ﴾. فإذا رأيت "إنَّما" فى آخِرها اسم من الناس وأشباههم ممَّا يقع عليه "مَنْ" فلا تجعلنَّ "ما" فيه على جهة (الذى)؛ لأن العرب لا تكاد تجعل "ما" للناس. من ذلك: إنَّما ضربت أخاك، ولا تقل: أخوك؛ لأن "ما" لا تكون للناس. فإذا كان الاسم بعد "إنَّما" وصِلتِها مِن غير الناس جاز فيه لك الوجهان؛ فقلت: إنَّما سكنت دارَك. وإن شئت: دارُك. وقد تجعل العرب "ما" فى بعض الكلام للناس، وليس بالكثير. وفى قراءة عبدالله "وَالنَّهَارِ إِذا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأُنْثَى" وفى قراءتنا "ومَا خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثَى" فمن جعل "ما خلق" للذكر والأنثى جاز أن يخفض "الذكرِ والأنثى": كأنه قال والذى خلق: الذكرِ والأنثى. ومن نصب "الذكر" جعل "ما" و "خلق" كقوله: وخَلْقِه الذكر والأنثى، يوقع خَلَق عليه. والخفض فيه على قراءة عبدالله حَسَن، والنصب أكثر. ولو رفعت "إنّما حَرَّم عليكم الميتةُ" كان وجها. وقد قرأ بعضهم: "إنما حُرِّم عليكم المِّيتةُ" ولا يجوز هاهنا إلا رفع الميتة والدم؛ لأنك إن جعلت "إنّما"حرفا واحدا رفعت الميتة والدم؛ لأنه فعل لم يسمَّ فاعله، وإن جعلت "ما" على جهة (الذى) رفعت الميتة والدم؛ لأنه خبر لـ"ما". وقوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ﴾ الإهلال: ما نودى به لغير الله على الذباحَ [وقوله] ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ [(غير) فى هذا الموضع حال للمضطرّ؛ كأنك قلت: فمن اضطرّ لا باغيا ولا عاديا] فهو له حلال. والنصب ها هنا بمنزلة قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ﴾ ومثله ﴿إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ و "غير" ها هنا لا؛ تصلح "لا" فى موضعها؛ لأنّ "لا" تصلح فى موضع غير. وإذا رأيت "غير" يصلح "لا" فى موضعها فهى مخالفة "لغير" التى لا تصلح "لا" فى موضعها. ولا تحِلّ الميتة للمضطَرّ إذا عدا على الناس بسيفه، أو كان فى سبيل من سُبُل المعاصى. ويقال: إنه لا ينبغى لآكلها أن يشبع منها، ولا أن يتزوّد منها شيئا. إنما رُخّص له فيما يُمْسِك نَفْسه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.