الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ وفى قراءة عبدالله "وأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ إلى البيت لِلّهِ" فلو قرأ قارئ "والعمرةُ لله" فرفع العمرة لأن المعتمر إذا أتى البيت فطاف به وبين الصفا والمروة حلّ من عمرته. والحج يأتى فيه عرفاتٍ وجميعَ المناسك؛ وذلك قوله ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ يقول: أتِموا العمرة إلى البيت فى الحج إلى أقصى مناسكه. ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ العرب تقول للذى يمنعه مِن الوصول إلى إتمامِ حَجّه أو عمرته خوف أو مرض، وكل ما لم يكن مقهورا كالحَبْس والسِّجْن (يقال للمريض): قد أُحْصر، وفى الحبس والقهر: قد حُصِر. فهذا فَرْق بينِهما. ولو نويت فى قهر السلطان أنها علَّة مانعة ولم تذهب إلى فعل الفاعل جاز لك أن تقول: قد أُحصر الرجل. ولو قلت فى المرض وشبهه: إن المرض قد حصره أو الخوف، جاز أن تقول: حُصِرتم. وقوله "وسَيِّدا وحصورا" [يقال] إنه المحصَر عن النساء؛ لأنها علَّة وليس بمحبوسٍ. فعلى هذا فابنِ. وقوله: ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾ "ما" فى موضع رفع؛ لأن أكثر ما جاء من أشباهه فى القرآن مرفوع. ولو نصبت على قولك: أهدوا "ما استيسر". وتفسير الهدْى فى هذا الموضع بَدَنة أو بقرة أو شاة. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهَدْىَ صام ثلاثة أيامٍ يكون آخِرها يوم عرفة، واليومان فى العَشْر، فأمّا السبعة فيصومها إذا رجع فى طريقه، وإن شاء إذا وصل إلى أهله و "السبعة" فيها الخفض على الإتباع للثلاثة. وإن نصبتها فجائز على فعل مجدّد؛ كما تقول فى الكلام: لا بدّ من لقاء أخيك وزيدٍ وزيدا. وقوله: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ يقول: ذلك لمن كان من الغُرَباء من غير أهل مكَّة، فأمّا أهل مكة فليس ذلك عليهم. و "ذلِك" فى موضع رفع. وعلى تصلح فى موضع اللام؛ أى ذلك على الغرباء. وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ معناه: وقتُ الحج هذه الأشهر. فهى وإن كانت "فى" تصلح فيها فلا يقال إلاّ بالرفع، كذلك كلام العرب، يقولون: البَردْ شهران، والحَرّ شهران، لا ينصبون؛ لأنه مقدار الحج. ومثله قوله: ﴿ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ ولو كانت الأشهر أو الشهر معروفة على هذا المعنى لصلح فيه النصب. ووجه الكلام الرفع؛ لأن الاسم إذا كان فى معنى صِفةٍ أو محلّ قوِى إذا أسند إلى شىء؛ ألا ترى أن العرب يقولون: هو رجل دونَك وهو رجل دونٌ، فيرفعون إذا أفردوا، وينصبون إذا أضافوا. ومن كلامهم المسلمون جانِبٌ، والكفَّار جانب، فإذا قالوا: المسلمون جانِبَ صاحبِهم نصبوا. وذلك أن الصاحب يدلّ على محلّ كما تقول: نحوَ صاحبهم، وقُرْبَ صاحبهم. فإذا سقط الصاحب لم تجده محلاّ تقيده قرب شىء أو بعده. والأشهر المعلومات شوّالٌ وذو القَعْدة وعَشْر من ذى الحجة. والأشهر الحُرُم المحرَّم ورجب وذو القعدة وذو الحِجة. وإنما جاز أن يقال له أشهر وإنما هما شهران وعشر من ثالثٍ؛ لأن العرب إذا كان الوقت لشىء يكون فيه الحج وشِبهه جعلوه فى التسمية للثلاثة والاثنين، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللّهَ فِى أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ وإنما يتعجَّل فى يومٍ ونِصف، وكذلك هو فى اليوم الثالث من أيام التشريق وليس منها شىء تامّ، وكذلك تقول العرب: له اليومَ يومان منذ لم أره، وإنما هو يوم وبعضُ آخرَ، وهذا ليس بجائزٍ فى غير المواقيت، لأن العرب قد تفعل الفِعْل فى أقلَّ من الساعة، ثم يوقعونه على اليوم وعلى العام والليالى والأيام، فيقال: زرته العام، وأتيتك اليوم، وقُتل فلان ليالىَ الحجَّاجُ أمير، لأنه لا يراد أوّل الوقت وآخِره، فلم يذهب به على معنى العدد كله، وإنما يراد به (إذ ذاك الحين). وأما قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ﴾ يقال: إن الرفث الجماع، والفسوق السِباب، والجدال المماراة ﴿فِى الْحَجِّ﴾ فالقراء على نصب ذلك كله بالتبرئة إلا مجاهدا فإنه رفع الرفث والفسوق ونصب الجدال. وكلّ ذلك جائز. فمن نصب أتبع آخِر الكلام أوّلَه، ومن رفع بعضا ونصب بعضا فلان التبرئة فيها وجهان: الرفع بالنون، والنصب بحذف النون. ولو نصب الفسوق والجدال بالنون لجاز ذلك فى غير القرآن؛ لأن العرب إذا بدأت بالتبرئة فنصبوها لم تنصب بنونٍ، فإذا عطفوا عليها بـ "لا" كان فيها وجهانِ، إن شئت جعلت "لا" معلَّقة يجوز حذفها فنصبت على هذه النية بالنون؛ لأن "لا" فى معنى صِلةٍ، وإن نويت بها الابتداء كانت كصاحبتها، ولم تكن معلَّقة فتنصبَ بلا نونٍ؛ قال فى ذلك الشاعر: رأت إبلى برمل جَدُودَ أ[نْ] لا * مَقِيلَ لها ولا شِرْباً نَقُوعا فنوَّن فى الشرب، ونوى بـ "لا" الحذف؛ كما قال الآخر: فلا أبَ وابنا مِثلَُ مروان وابنِهِ * إذا هو بالمجدِ ارتدى وتأزّرا وهو فى مذهبهِ بمنزلة المدعوّ تقول: يا عمرو والصَّلْتَ أقبِلا. فتجعل الصلت تابعا لعمرٍو وفيه الألف واللام؛ لأنك نويت به أن يتبعه بلا نيَّة "يا" فى الألف واللام. فإن نويتها قلت: يا زيد ويأيها الصَّلْتُ أقبِلاَ. فإن حذفت "يأيها" وأنت تريدها نصبت؛ كقول الله عز وجل ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ نصب الطير على جهتين: على نيَّة النداء المجدَّد له إذ لم يستقم دعاؤه بما دعيت به الجبال، وإن شئت أوقعت عليه فعلا: وسخرنا له "الطير" فتكون النية على سخرنا. فهو فى ذلك متبع؛ كقول الشاعر: ورأيت زوجَكِ فى الوغى * متقلِّدا سيفا ورمحا وإن شئت رفعت بعض التبرئة ونصبت بعضا، وليس مِن قراءة القراء ولكنه يأتى فى الأشعار؛ قال أميَّة: فلا لَغْوٌ ولا تأْثِيمَ فِيها * وما فاهوا به لَهُمُ مقيم وقال الآخَر: ذاكم - وجَدِّكم - الصَّغَار بِعينهِ * لا أمَّ لِى إِن كان ذاك ولا أب وقبله: وإِذا تكونُ شدِيدةٌ أُدعَى لها * وإِذا يحاس الحَيْس يدْعى جُنْدب
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.