الباحث القرآني

وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تجعل "ما" فى موضع نصبِ وتوقِع عليها "ينفِقون"، ولا تنصبها بـ (يَسْألونك) لأنّ المعنى: يسألونك أىَّ شىء ينفقون. وإن شِئت رفعتها من وجهين؛ أحدهما أن تجعل "ذا" اسما يرفع ما، كأنك قلت: ما الذى ينفقون. والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذى؛ فيقولون: ومن ذا يقول ذاك؟ فى معنى: من الذِى يقول ذاك؟ وأنشدوا: عَدَسْ ما لِعبّادٍ عليكِ إِمارة * أَمِنْتِ وهذا تحمِلين طَلِيق كأنه قال: والذى تحملين طليق. والرفع الآخر أن تجعل كلّ استفهام أوقعت عليه فعلا بعده رفعا؛ لأنّ الفعل لا يجوز تقديمه قبل الاستفهام، فجعلوه بمنزلة الذى؛ إذ لم يعمل فيه الفعل الذى يكون بعدها. ألا ترى أنك تقول: الذى ضربت أخوك، فيكون الذِى في موضع رفع بالأَخِ، ولا يقع الفعل الذى يليها عليها. فإذا نويت ذلك رفعت قولَه: ﴿قلِ العفو كذلك﴾؛ كما قال الشاعر: ألا تسأَلانِ المرء ماذا يُحاوِل * أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أم ضَلالٌ وباطِل رفع النحب؛ لأنه نوى أن يجعل "ما" فى موضع رفع. ولو قال: أنحبا فيقضى أم ضلالا وباطلا كان أبين فى كلام العرب. وأكثر العرب تقول: وأيُّهم لم أضرب وأيُّهم إلاّ قد ضربت رفع؛ للعلّة من الاستئناف من حروف الاستفهام وألاّ يسبقها شىء. ومما يشبه الاستفهام مما يُرفع إذا تأخَّر عنه الفعل الذى يقع عليه قولهم: كلُّ الناس ضربت. وذلك أن فى (كلّ) مِثْل معنى هل أحدٌ [إلاّ] ضربت، ومثل معنى أىُّ رجل لم أضرب، وأىُّ بلدة لم أدخل؛ ألا ترى أنك إذا قلت: كلُّ الناس ضربت؛ كان فيها معنى: ما منهم أحد إلا قد ضربت، ومعنى أيهم لم أضرب. وأنشدنى أبو ثَرْوان: وقالوا تعرَّفْها المنازلَ ممن مِنىً * وما كُلُّ من يغشى مِنىً أنا عارف رفعا، ولم أسمع أحدا نَصَب كل. قال: وأنشدونا: وما كُلُّ مَنْ يَظَّنُّنِى أنا مُعتِب * وما كُلُّ ما يُرْوَى علىَّ أقول ولا تتوهَّم أنهم رفعوه بالفعل الذى سبق إليه؛ لأنهم قد أنشدونا: قد عَلِقَت أُمّ الخيار تدَّعى * علىَّ ذنبا كُلُّه لم أصنع رفعا. وأنشدنى أبو الجرَاح: أرَجَزا تريد أم قريضا * أم هكذا بينهما تعريضا * كلاهما أجِدُ مستريضا * فرفع كُلاّ وبعدها (أجد)؛ لأن المعنى: ما منهما واحد إلا أجده هيّنا مستريضا. ويدلّك على أن فيه ضمير جحد قولُ الشاعر: فكلهمُ جاشاك إلا وجدته * كعين الكذوب جهدها واحتفالها
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.