الباحث القرآني

وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ وإدخال العرب (إلى) فى هذا الموضع على جهة التعجُّب؛ كما تقول للرجل: أما ترى إلى هذا! والمعنى - والله أعلم -: هل رأيت مثل هذا أو رأيت هكذا! والدليل على ذلك أنه قال: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ فكأنه قال: هل رأيت كمِثْل الذى حاجّ إبراهيم فى ربه ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ وهذا فى جهته بمنزلة ما أخبرتُك به فى مالَك وما مَنَعك. ومثله قول الله تبارك وتعالى: ﴿قل لِمن الأرض وَمن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لِلّه﴾ ثم قال تبارك وتعالى: ﴿قل من ربُّ السموات السّبْع وربّ العرش العظيم. سيقولون لله﴾ فجعل اللام جوابا وليست فى أوّل الكلام. وذلك أنك إذا قلت: مَنْ صاحب هذه الدار؟ فقال لك القائل: هى لزيد، فقد أجابك بما تريد. فقوله: زيدٌ ولزيدٍ سواء فى المعنى. فقال: أنشدنى بعض بنى عامر: فأَعلمُ أننى سأكونُ رَمْساً * إذا سار النواجعُ لا يَسير فقال السائرون لمن حفرتم * فقال المخبرون لهم: وزير ومثله فى الكلام أن يقول لك الرجل: كيف أصبحتَ؟ فتقول أنت: صالح، بالرفع، ولو أجبتَه على نفس كلمته لقلت: صالحا. فكفاك إخبارك عن حالك من أن تلزم كلمته. ومثله قول الله تبارك وتعالى ﴿ما كان محمد أَبا أَحدٍ مِن رِجالِكم ولكِن رسول الله﴾ وإذا نصبت أردت: ولكن كان رسول الله، وإذا رفعت أخبرت، فكَفَاك الخبر مما قبله. وقوله: ﴿ولا تحسبن الذيِن قتِلوا فِى سبيل الله أمواتا بل أَحياء﴾ رفع وهو أوجه من النصب، لأنه لو نصب لكان على: ولكن احسبهم أحياء؛ فطرح الشكِّ من هذا الموضع أجود. ولو كان نصبا كان صوابا كما تقول: لا تظننه كاذبا، بل اظْنُنْه صادقا. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن لن نجمع عِظامه بلى قادِرين على أن نسوّى بنانه﴾ إن شئت جعلت نصب قادرين من هذا التأويل، كأنه فى مثله من الكلام قول القائل: أتحسب أن لن أزورك؟ بل سريعا إن شاء الله، كأنه قال: بلى فاحسَبْنى زائِرَك. وإن كان الفعل قد وقع على (أن لن نجمع) فإنه فى التأويل واقع على الأسماء. وأنشدنى بعضُ بنى فَقْعَس: أجِدَّك لن ترى بثُعَيلِبات * ولا بَيْدان نَاجيةً ذَمولا ولا متداركٍ والشمسُ طِفْلٌ * ببعض نواشغ الوادى حُمولا فقال: ولا متداركٍ، فدلَّ ذلك على أنه أراد ما أنت براءٍ بثعيلِبات كذا ولا بمتداركٍ. وقد يقول بعض النحويّين: إنا نصبنا (قادرين) على أنها صُرِفت عن نَقْدِر، وليس ذلك بشىء، ولكنه قد يكون فيه وجه آخر سوى ما فسَّرت لك: يكون خارجا من (نجمع) كأنه فى الكلام قول القائل: أتحسب أن لن أضربك؟ بلى قادرا على قتلك، كأنه قال: بلى أضربك قادراً على أكثر من ضربك. وقوله:﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ وقد جرى الكلام بالإدغام للثاء؛ لقيت التاءَ وهى مجزومة. وفى قراءة عبدالله (اتَّخَتُّمُ العجل) (وإنى عُتُّ بربى وربكم) فأدغمت الذال أيضا عند التاء. وذلك أنهما متناسبتان فى قرب المخرج، والثاء والذال مخرجهما ثقيل، فأنزل الإدغام بهما لثقلهما؛ ألا ترى أن مخرجهما من طَرَف اللسان. وكذلك الظاء تشاركهن فى الثقل. فما أتاك من هذه الثلاثة الأحرف فأدغم. وليس تركك الإِدغام بخطأ، إنما هو استثقال. والطاء والدال يدغمان عند التاء أيضا إذا أسكنتا؛ كقوله: ﴿أحطت بما لم تحِط به﴾ تخرج الطاء فى اللفظ تاء، وهو أقرب إلى التاء من الأحرف الأُوَل، تجدُ ذلك إذا امتجنت مخرجيهما. وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ جاء التفسير: لم يتغير [بمرور السنين عليه، مأخوذ من السنة]، وتكون الهاء من أصله [من قولك: بعته مسانهة، تثبت وصلا ووقفا. ومن وصله بغير هاء جعله من المساناة؛ لأن لام سنة تعتقب عليها الهاء والواو]، وتكون زائِدةً صلةً بِمنزلة قوله ﴿فبِهداهم اقتدِهْ﴾ فمن جعل الهاء زائدة جعل فعَّلت منه تسنيت؛ ألا ترى أنك تجمع السنة سنوات فيكون تفعَّلت على صحة، ومن قال في [تصغير] السنة سُنَينة وإن كان ذلك قليلا جاز أن يكون تسنيت تفعَّلت أبدلت النون بالياء لمَّا كثُرت النونات، كما قالوا تظنَّيت وأصله الظن. وقد قالوا هو مأخوذ من قوله ﴿من حمإٍ مسنون﴾ يريد: متغيّر. فإن يكن كذلك فهو أيضا مما أبدلت نونه ياء. ونرى أن معناه مأخوذ من السنة؛ أى لم تُغيّره السنون. والله أعلم. حدّثنا محمد بن الجهم، قال حدّثنا الفراء، قال حدّثنى سفيان بن عُيَيْنة رفعه إلى زيد ابن ثابت قال: كُتِب فى حَجَر ننشزها ولم يتسن وانظر إلى زيد بن ثابت فنقَط على الشين والزاى أربعا وكتب (يتسنه) بالهاء. وإن شئت قرأتها فى الوصل على وجهين: تثبت الهاء وتجزمها، وإن شئت حذفتها؛ أنشدنى بعضهم: فليست بسَنْهاء ولا رُجَّبِيَّة * ولكنْ عَرَايَا فى السنينَ الجوائح والرُجَّبِيَّة: التى تكاد تسقط فيُعْمَد حولها بالحجارة. والسنهاء: النخلة القديمة. فهذه قوّة لمن أظهر الهاء إذا وَصَل. وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ إنما أدخلت فيه الواو لنيّة فعل بعدها مضمر؛ كأنه قال: ولنجعلك آية فعلنا ذلك. وهو كثير فى القرآن. وقوله ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾ حين بُعث أسودَ اللحية والرأس وبنو بنيه شِيب، فكان آية لذلك. وقوله ﴿ننشزها﴾ قرأها زيد بن ثابت كذلك، والإنشاز نقلها إلى موضعها. وقرأها ابن عباس "نُنْشِرها". إنشارها: إحياؤها. واحتجَّ بقوله: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ وقرأ الحسن - فيما بلغنا - (نَنْشُرُها) ذهب إلى النشر والطىّ. والوجه أن تقول: أنشر الله الموتى فنَشروا إذا حَيُوا، كما قال الأعشى: * يا عجبا للميت الناشِرِ * وسمعت بعض بنى الحارث يقول: كان به جَرَب فنَشَر، أى عاد وحيى. وقوله: "فلما تبين له قال أعلم أنّ الله على كل شىء قدير" جزمها ابن عبّاس، وهى فى قراءة أُبَىّ وعبدالله جميعا: "قيل له اعْلَمْ" واحتجَّ ابن عباس فقال: أهو خير من إبراهيم وأفقه؟ فقد قيل له: ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والعامّة تقرأ: "أعلم أن الله" وهو وجه حسن؛ لأن المعنى كقول الرجل عند القدرة تتبين له من أمر الله: (أشهد أن لا إله إلا الله) والوجه الآخَر أيضا بيّن. وقوله ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ ضمَّ الصادَ العامّة. وكان أصحاب عبدالله يكسرون الصاد. وهما لغتان. فأمّا الضمُّ فكثير، وأما الكسر ففى هُذَيل وسُلَيم. وأنشدنى الكسائىّ عن بعض بنى سُلَيم: وفَرْعٍ يصير الجِيدَ وَحْفٍ كأنه * على اللِيتِ قِنْوانُ الكروم الدوالح ويفسّر معناه: قطِّعهن، ويقال: وجِّههن. ولم نجد قَطِّعْهُنَّ معروفة من هذين الوجهين، ولكنى أرى - والله أعلم - أنها إن كانت من ذلك أنها من صَرَيْت تصرِى، قدّمت ياؤها كما قالوا: عِثْتُ وعثَيْتُ، وقال الشاعر: صَرَتْ نظرة لو صادفت جَوْزَ دارِع * غَدَا والعَوَاصِى من دمِ الجوف تنعَرُ والعرب تقول: بات يَصْرِى فى حوضه إذا استقى ثم قطع واستقى؛ فلعله من ذلك . وقال الشاعر: يقولون إن الشأم يقتلُ أهلَه * فمَنْ لِىَ إن لم آتِه بخُلُود تَعَرَّب آبائى فهَلاَّ صَرَاهم * من الموت أن لم يذهبوا وجُدُودِى
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.