الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا﴾ إن شِئتَ جعلتَ ﴿فتكونا﴾ جوابا نصبا، وإن شِئتَ عطفتَه على أوّل الكلام فكان جزْما؛ مثل قول امرىء القيس: فقلتُ له صَوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ * فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطاةِ فَتَزْلِقُ فجزم. ومعنى الجزم كأنّه تكرير النهى، كقول القائل: لا تذهب ولا تعرض لأحد. ومعنى الجواب والنَّصْب لا تفعل هذا فيُفعلَ بك مجازاةً، فلمّا عُطف حرفُ على غير ما يشا كله وكان فى أوّله حادثٌ لا يصلح فى الثانى نُصِبَ. ومثله قوله: ﴿وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى﴾ و﴿لاَ تَفْتَرُوا علَىَ اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ و﴿لاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. وما كان من نفى ففيه ما فى هذا، ولا يجوز الرفع فى واحد من الوجهين إلا أن تريد الاستئناف؛ بخلاف المعنيين؛ كقولك للرجل: لا تركب إلى فلان فيركبُ إليك؛ تريد لا تركب إليه فإنه سيركب إليك، فهذا مخالف للمعنيين لأنه استئناف، وقد قال الشاعر: أَلَمْ تَسْألِ الَّرْبعَ الْقَدِيمَ فَيَنْطِقُ * وَهَلْ تُخْبِرَنْكَ الْيَوْمَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ أرد: ألم تسأل الربع فإنه يخبرك عن أهله، ثم رجع إلى نفسه فأكذبها، كما قال زهير بن أبى سُلْمَى المُزَنىّ: قِفْ بِالدِّيارِ التى لَمْ يَعْفُها القِدَمُ * بَلَى وغَيَّرها الأَرْواحُ والدِّيَمُ فأكذب نفسه. وأمّا قوله: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ والْعَشِىّ﴾ فإنّ جوابه قولُه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمينَ﴾ والفاء التى فى قوله: "فَتَطْرُدَهُمْ" جواب لقوله: "مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَىْءٍ" ففى قوله: "فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمينَ" الجزم والنصب على ما فسّرت لك، وليس فى قوله: "فَتَطْرُدَهُمْ" إلا النصب، لأنّ الفاء فيها مردودة على محلٍّ وهو قوله: "مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ" و "عليك" لا تشا كل الفعل، فإذا كان ما قبل الفاء اسما لا فعل فيه، أو محلاّ مثل قوله: "عندك وعليك وخلفك"، أو كان فعلا ماضيا مثل: " قام وقعد" لم يكن فى الجواب بالفاء إلا النصب. وجاز فى قوله: * فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطَاةِ فَتَزْلُقْ * لان الذى قبل الفاء يَفْعَل والذى بعدها يفعل، وهذا مشاكل بعضُه لبعض؛ لأنه فعل مستقبل فيصلح أن يقع علىآخره ما يقع على أوّله، وعلى أوّله ما يقع على آخره؛ لأنه فعل مستقبل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.