الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وكل ما كان فى القرآن من هذا قد نُصِبَ فيه الثَّمَنُ وأدخلت الباء فى المبيوع أو المشترىَ، فإن ذلك أكثر ما يأتى فى الشيئين لا يكونان ثَمَناً معلوما مثل الدنانير والدراهم؛ فمن ذلك: اشتريتُ ثوبا بكساء؛ أيَّهما شئتَ تجعلْه ثَمَناً لصاحبه؛ لأنه ليس من الأثمان، وما كان ليس من الأثمان مثل الرقيق والدُّور وجميع العُروض فهو على هذا. فإن جئت إلى الدراهم والدنانير وضعتَ الباءَ فى الثَّمن، كما قال فى سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾؛ لأن الدراهم ثمنٌ أبدا، والباء إنما تدخل فى الأثمان، فذلك قوله: ﴿اشْتَرَوْا بآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾، ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾، ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ ﴿والعذاب بالمغفرة﴾، فأدخِل الباء فى أىّ هذين شئتَ حتى تصير إلى الدنانير والدراهم فإنك تُدخل الباء فيهن مع العُروض، فإذا اشتريتَ أحدهما [يعنى الدنانير والدراهم] بصاحبه أدخلت الباء عى أيِّهما شئت؛ لأن كل واحد منهما فى هذا الموضع بيعٌ وثمنٌ، فإن أحببت أن تعرف فرق ما بين العُروض وبين الدراهم، فإنك تعلم أن من اشترى عبدا بألفِ درهم معلومة، ثم وَجد به عيبا فردّه لم يكن له على البائع أن ياخذ ألفه بعينه، ولكن ألفا. ولو اشترى عبدا بجارية ثم وجد به عيبا لم يرجع بجارية أخرى مثلها، فذلك دليل على أن العُروض ليست بأثمان. وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فوحّد الكافرَ وقبلَه جمعٌ وذلك من كلام العرب فصيحٌ جيدٌ فى الاسم إذا كان مشتقّاً من فِعْل، مثل الفاعل والمفعول؛ يرادُ به ولا تكونوا أوّل مَن يَكْفُر فتحذف "مَن" ويقوم الفعل مقامها فيؤدِّى الفعلُ عن مثل ما أدّتْ "مَن" عنه مِن التأنيث والجمع وهو فى لفظ توحيدٍ. ولا يجوز فى مثله من الكلام أن تقول: أنتم أفضلُ رجلٍ؛ ولا أنتما خير رجل؛ لأن الرجل يثنّى ويُجمع ويُفرد [فيُعرَف] واحدُه من جمعِه، والقائم قد يكون لشىء ولمَنْ فيؤدّى عنهما وهو موحَّد؛ ألا ترى أنك قد تقول: الجيْشُ مقبلٌ والجُنْد منهزمٌ، فتوحِّد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش رجالٌ والجند رجالٌ؛ ففى هذا تبيان؛ وقد قال الشاعر: وإذا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طاعِم * وإذا هُمُ جاعُوا فشَرُّ جِياعِ فجمعه وتوحيده جائز حسنٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.